الشريف الرضي - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٦ - إمارة الحج
و الشريف قد مارس إمارة الحج منذ صباه، تولاها في أغلب أعوام عمره وزيرا لأبيه، و نائبا عنه، و مستقلا فيها. و قد تذوق في ذلك منذ نشأ ما افتتنت به نفسه و خالط أعماقها من المطامع و المطامح السياسية.
و كانت هذه الأمارة تجربة و مثالا مصقولا مصغرا من تلك الرتبة السامية، و الشأن الإسلامي العظيم الذي يتوق إليه. و يرى أنه الأجدر به من أولئك المهتضمين المتطفلين، و قد أذكت في نفسه شعورا عميقا ملتهبا. فكان إذا رجع إلى بغداد و تطامن لأحكام السلاطين و الخلفاء، و انتقل من دور سيد إلى مسود و من سلطان إلى رعية، أضجره الحال و يئس من ذلك و طفق يتذمر من عاصمة العباسيين، منقطع إمارته و منتهى تخومها فيقول سنة ٣٢٤ هـ:
مالي لا أرغب عن بلدة # ترغب في كثرة حسادي
ما الرزق بالكرخ مقيما # و لا طوق العلى في جيد بغداد
و يحن إلى تلك البوادي و القفار التي يتلابس فيها مع السلطة و الأمارة، و التي فيها طوق العلى. و يتعشق مضارب أطنابها و مراتع غزلانها، و تطيب نفسه بذكرى تنسم نسمات أجوائها و مشاهدة أطلالها، و يستعرض فيها تاريخ الغابرين من أشياخه، و هي مغرس مجده و فيها مستنبت دوحة العلى، فكان يبدع في شعره عند ذكرى ذلك، و تفيض علينا قريحته بأرق ما نقرأ في ديوان شعره فيقول:
عارضا بي ركب الحجاز أسا # ئله متى عهده بسكان سلع
فاتني أن أرى الديار بطرفي # فلعلي أرى الديار بسمعي
و يقول:
يا قلب ما أنت من نجد و ساكنه # حلفت نجدا وراء المدلج الساري