التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٦٨ - بسم الله الرحمن الرحيم
وقوله (والليل إذا سجى) قسم آخر، وقال الحسن: معنى (سجى) غشي بظلامه وقال قتادة: معنى (سجى) سكن وهذا من قولهم: بحر ساج أي ساكن، وبه قال الضحاك، يقال: سجا يسجو سجوا إذا هدئ وسكن، وطرف ساج قال الاعشى:
فما ذنبنا ان جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج لا يواري الدعا مصا [١]
وقال الراجز:
يا حبذا القمراء والليل الساج * وطرق مثل ملاء النساج [٢]
وقوله (ما ودعك ربك وما قلى) جواب القسم. وقيل: إنه لما تأخر عنه الوحي خمس عشرة ليلة، قال قوم من المشركين: ودع الله محمدا وقلاه، فانزل الله تعالى هذه السورة تكذيبا لهم وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله)، لانه كان اغتم بانقطاع الوحي عنه - ذكره ابن عباس وقتادة والضحاك - ومعنى (ما ودعك) ماقطع الوحي عنك، ومعنى (قلى) أبغض - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد - والقالي المبغض يقال: قلاه يقلاه قلا إذا ابغضه. والعقل دال على انه لا يجوز ان يقلا الله احدا من أنبيائه، والتقدير ما قلاك، فحذف الكاف لدلالة الكلام عليه، ولان روس الاي بالياء، فلم يخالف بينها، ومثله (فآوى، وفهدى، وفأغنى) لان الكاف في جميع ذلك محذوفة، ولما قلناه.
وقوله (وللاخرة خير لك من الاولى) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله)يقول الله تعالى له إن ثواب الاخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الاولى يعني من الدنيا، والكون فيها لكونها فانية. قال ابن عباس: له في الجنة الف قصر من اللؤلؤ ترابه المسك، وفيه من كل ما يشتهي على اعم الوصف.
[١] تفسير القرطبي ٢٠ / ٩١ وديوانه ١٠٠ [٢] مجاز القرآن ٢ / ٣٠٢ واللسان (سحى) والكامل ٢٠٤ (*)