التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢١ - قوله تعالى
معناه عمل فجمع المال في الدنيا وأدبر عن الحق وتولى، فالنار تدعوه بما يظهر فيها من انه أولى بها. وقال مجاهد (جمع) المال (فاوعى) ولم يخرج حق الله منه، فكأنه جعله في وعاء على منع الحقوق منه.
وقوله (إن الانسان خلق هلوعا) اخبار منه تعالى بان الانسان خلق هلوعا والهلوع هو الشديد الحرص، الشديد الجزع من الضجر - في قول ابن عباس وعكرمة - وقيل: معناه خلق ضعيفا عن الصبر على الجزع والهلع، لانه لم يكن في ابتداء خلقه يهلع ولا يجزع ولا يشعر بذلك حال الطفولية، وإنما جاز ان يخلق الانسان على هذه الصفة المذمومة، لانها تجري مجرى خلق سهوه القبيح ليجتنب المشتهى، لان المحنة في التكليف لاتتم إلا بمنازعة النفس إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى، كما لايتم إلا بتعريف الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الاخر (إذا مسه الشر جزوعا) لو كان منقطعا عن الاول لكان مرفوعا، والجزع ظهور الفزع بحال تنبئ عنه (وإذا مسه الخير منوعا) معناه إذا نال الانسان الخير والسعة في الدنيا منع حق الله فيه من الزكاة وغيرها مما فرض الله عليه، فالمس الملاقاة من غير فعل، ويقال: مسه يمسه، وتماسا إذا التقيا من غير فعل، وماسه مماسة. والمنع هو القطع عن الفعل بما لا يمكن وقوعه معه، وهو على وجهين: احدهما - منع القادر ان يفعل. والاخر - منع صاحب الحق أن يعطى حقه. والبخل منع الحق صاحبه.
لما وصف الله تعالى الانسان بالصفات المذمومة اسنثنى من جملتهم من لا يستحق الذم، لان الانسان عبر به عن الناس، فهو لعموم الجنس، كما قال (إن الانسان لفي خسر ألا الذين) [١] وكذلك - ههنا - قال (إلا المصلين الذين هم
[١] سورة ١٠٣ العصر آية ٢ (*)