التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦٩ - بسم الله الرحمن الرحيم
الصحبة حتى قيل إنه لم يكن يصافح احدا قط فينزع يده من يده، حتى يكون ذلك الذي ينزع يده من يده. فمن هذه صفته كيف يقطب في وجه أعمى جاء يطلب الاسلام، على أن الانبياء (عليهم السلام) منزهون عن مثل هذه الاخلاق وعما هو دونها لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم والاصغاء إل دعائهم، ولا يجوز مثل هذا على الانبياء من عرف مقدارهم وتبين نعتهم.
وقال قوم: إن هذه الايات نزلت في رجل من بني أمية كان واقفا مع النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما اقبل ابن أم مكتوم تنفر منه، وجمع نفسه وعبس في وجهه وأعرض بوجهه عنه فحكى الله تعالى ذلك وانكره معاتبة على ذلك.
وقوله (وما يدريك) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله)وتقديره (قل) يا محمد (وما يدريك لعله يزكى) وإنما اضاف العبوس إلى النبي (صلى الله عليه وآله)من أضاف (وما يدريك)
أنه رآه متوجها اليه ظن انه عتب له دون أن يكون متوجها اليه على أن يقول لمن فعل ذلك ويوبخه عليه. ومعنى قوله (يزكى) أي يتزكي بالعمل الصالح، فأدغم التاء في الزاي، كما أدغمت في الذال في قوله (يذكر) ومعناه يتذكر، ولا يجوز وإدغام الزاي في التاء، لانها من حروف الصفير، وهي الصاد والسين والزاي.
وقوله (او يذكر) معناه أو يتذكر ما أمره الله تعالى به، ويفكر فيما أمره بالفكر فيه. وقد حث الله تعالى على التذكير في غير موضع من القرآن فقال) وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) [١] وقال (إنما يتذكر أولو الالباب) [٢] وينبغي للانسان أن يستكثر من ذكر ما يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل.
ثم بين انه متى يذكر (فتنفعه الذكرى) أي الفكر فيما أمره الله به من
[١] سورة ٥١ الذاريات آية ٥٥ [٢] سورة ٢٣ الرعد آية ٢١ وسورة الزمر آية ٩ (*)