التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٨٥ - قوله تعالى
على التقدم والتأخير في أمره بخلاف ما يقوله المجبرة الذين يقولون بتكليف ما لايطاق لمنع القدرة. وقال قتادة: معناه لمن شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عنها بمعصيته. والمشيئة هي الارادة.
وقوله (كل نفس بما كسبت رهينة) معناه إن كل نفس مكلفة مطالبة بما عملته وكسبته من طاعة او معصية، فالرهن أخذ الشئ بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه رهنه يرهنه رهنا قال زهير:
وفارقتك برهن لافكاك له * يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا [١]
وكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له. قال الرماني: في ذلك دلالة على القائلين باستحقاق الذم، لانه عم الارتهان بالكسب في هذا الموضع، وهم يزعمون انه يرتهن بأن لم يفعل ما وجب عليه من غير كسب شئ منه، فكانت الاية حجة على فساد مذهبهم. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الذي في الظاهر ان الانسان رهن بما كسبت يداه. ولم يقل: ولا يرهن إلا بما كسب له إلا من جهة دليل الخطاب الذي هو فاسد عند اكثر الاصوليين، على ان الكسب هو ما يجتلب به نفع او يدفع به ضرر، ويدخل في ذلك الفعل، وألا يفعل، فلا تعلق في الاية.
ولما ذكر تعالى أن (كل نفس بما كسبت رهينة) استثنى من جملة النفوس فقال (إلا اصحاب اليمين) والاستثناء منقطع، لان اصحاب اليمين ليسوا من الضلال الذين هم رهن بما كسبوه، وتقديره لكن أصحاب اليمين (في جنات) أي بساتين آجنها الشجر، واصحاب اليمين هم كل من لم يكن من الضالين: وقال الحسن:
هم اصحاب الجنة. وقال قوم: هم الذين ليس لهم شئ من الذنوب. وقال قوم:
[١] ديوانه ٣٩ (دار بيروت)
(ج ١٠ م ٢٤ من التبيان) (*)