التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٤ - قوله تعالى
لان الخشية متي كانت بالغيب على ماقلناه كانت بعيدة من النفاق، وخالصة لوجه الله. وخشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب، والخشية في الظاهر وترك المعاصي لايستحق بها الثواب وإنما لايستحق عليها العقاب. وإنما الخشية في الغيب أفضل لا محالة.
وقوله (لهم مغفرة وأجر كبير) أي لمن خشي الله واتقاه بالغيب ستر الله على معاصيه ولهم ثواب كبير لافناء له. وقيل: معنى (يخشون ربهم بالغيب) أي يخافونه، وهم لايرونه. وقيل (بالغيب) أي في سرهم وباطنهم، ومن علم ضمائر الصدور علم إسرار القائل إلى غيره. وقال الحسن: معناه يخشون ربهم بالاخرة لانها غيب يؤمنون به، وكل من خشي ربه بالغيب خشيه بالشهادة، وليس كل من خشيه بالشهادة يخشى بالغيب.
ثم قال مهددا للعصاة (وأسروا قولكم أو اجهروا به) ومعناه إن شئتم أظهروه وإن شئتم ابطنوه فانه عالم بذلك ل (انه عليم بذات الصدور) فمن علم ضمائر الصدور علم إسرار القول.
وقوله (ألا يعلم من خلق) معناه من خلق الصدور يعلم مافي الصدور ويجوز ان يكون المراد ألا يعلم من خلق الاشياء ما في الصدور. وقيل تقديره ألا يعلم سر العبد من خلقه يعني من خلق العبد، ويجوز أن يكون المراد ألا يعلم سر من خلق، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. ولايجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق افعال القلوب، لانه لو أراد ذلك لقال ألا يعلم ماخلق، لانه لايعبر عما لايعقل ب (من) ولا يدل ذلك على أن الواحد منا لا يخلق أفعاله من حيث أنه لا يعلم الضمائر، وإنا بينا أن المراد ألا يعلم من خلق الصدور أي خلق الاشياء والواحد منا لا يخلق ذلك فلا يجب أن يكون عالما بالضمائر.