التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٢١ - بسم الله الرحمن الرحيم
على هذه الجهلة فجاء الكلام على طريق الجواب لانكار ما سألوا، فقيل (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) وهذا نفي منه لما يعبدون في الاستقبال ثم قال (ولا أنا عابد ما عبدتم) على نفي العبادة لما عبدوا في الماضي، وهذا واضح في أنه لا تكرير في لفظه ولا معناه. وقوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فعلى التكرير في اللفظ دون المعنى من قبل أن التقابل يوجب أن معناه ولا أنتم عابدون ما عبدت إلا انه عدل بلفظه إلى اعبد للاشعار أن ما عبدت هو ما أعبد، واستغني بما يوجبه التقابل من معنى عبدت عن الافصاح به،. وعدل عن لفظه لتضمين معنى آخر فيه، وكان ذلك اكثر في الفائدة وأولى بالحكمة، لانه دل على (عبدت) دلالة التصريح باللفظ فان قيل فهلا قال: ما عبدت ليتقابل اللفظ، كما تقابل المعنى؟ قيل: هو في حكم التقابل في اللفظ من حيث هو دال عليه إلا انه عدل عن الافصاح به للاشعار بأن معبوده واحد كيف تصرفت الحال، وكان هذا أبعد في الايهام أن معبوده فيما مضى غير معبوده فيما يستقبل. وقد يجوز في الماضي والمستقبل ان يقع أحدهما موقع الاخر إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كما قال (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) [١] على معنى ينادون، ومنه قولهم: يدعوهم ابن رسول الله فلا يجيبونه، ويدعوهم ابن زياد إلى الباطل فيسرعون اليه.
فان قيل: فهلا دل على اختلاف المعنى باختلاف اللفظ إذ هو الاصل في حسن البيان؟ قيل: إن التقابل في ذلك قد صير اللفظ في حكم المختلف، لانه مقيد به، ودلالة المقيد خلاف دلالة المطلق نحو: زيد قائم بالتدبير على خلاف معنى زيد قائم.
فان قيل: فهلا دل على ذلك من أصول مختلفة إذ هو أدل على خلاف المعنى بصريح الجهة؟ قيل: إنه لما أريد نفي العبادة على تصريف الاحوال صرف لفظ
[١] سورة ٧ الاعراف آية ٤٣ (*)