التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦٠ - قوله تعالى
ثم خاطب الكفار الجاحدين بالله تعالى على وجه التبكيت لهم والتوبيخ (أأنتم اشد خلقا) ومعناه أانتم اشد أمرا بصغر حالكم (أم السماء) في عظم جرمها وشأنها في وقوفها وسائر نجومها وافلاكها. قال بعض النحويين (بناها) من صلة السماء.
والمعنى أم التي بناها. وقال آخرون (السماء) ليس مما يوصل، ولكن المعنى أأنتم اشد خلقا أم السماء اشد خلقا. ثم بين كيف خلقها فقال (بناها) والله تعالى لا يكبر عليه خلق شئ اشد من خلق غيره، وإنما أراد انتم أشد خلقا عندكم وفى ظنكم مع صغركم أم السماء مع عظمها وشدة إحكامها؟ وبين انه تعالى بنى السماء و (رفع سمكها) يعني ارتفاعها، فالسمك مقابل للعمق، وهو ذهاب الجسم بالتأليف في جهة العلو، وبالعكس منه العمق. والطول ذهاب الجسم في جهة الطول. والعرض ذهابه في جهة العرض، وهو بالاضافة إلى ما يضاف اليه.
وقوله (فسواها) فالتسوية جعل أحد الشيئين على مقدار الاخر على نفسه او في حكمه، وكل ما جعل في حقه على ترتيبه مع غيره فقد سوي، فلما كان كل شئ من السماء مجعولا في صفة على ترتيبه مع غيره كانت قد سويت على هذا الوجه.
وقوله (واغطش ليلها) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد:
معناه اظلم ليلها. وقال ابوعبيدة: كل أغطش لا يبصر. وقال: ليلها اضاف الظلام إلى السماء لان فيها ينشأ الظلام والضياء بغروف الشمس وطلوعها على ما دبرها الله.
وقوله (واخرج ضحاها) قال مجاهد والضحاك أخرج نورها.
وقوله (والارض بعد ذلك دحاها) قال مجاهد والسدي: معناه دحاها مع ذلك، كما قال (عتل بعد ذلك) أي مع ذلك. وقال ابن عباس: ان الله دحا الارض بعد السماء، وإن كانت الارض خلقت قبل السماء، ومعنا دحاها بسطحها دحا يدحو دحوا ودحيت ادحي دحيا لغتان، قال أمية بن أبي الصلت: