التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٣٤ - قوله تعالى
اركعوا لا يركعون [٤٨] ويل يومئذ للمكذبين [٤٩] فبأي حديث بعده يؤمنون) [٥٠] عشر آيات.
لما ذكر الله تعالى الكفار وما أعد لهم من ضروب العقاب وانواع العذاب ترهيبا وتزهيدا في مثله، ذكر المؤمنين المتقين للمعاصي وبين ما أعده لهم من أنواع النعيم وضروب اللذات فقال (إن المتقين) ومعناه الذين اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه وطلبوا ثوابه بفعل طاعاته (في ظلال) وهو جمع ظل، وهو الحجاب العالي المانع من كل أذى، فلاهل الجنة حجاب من كل أذى لان هواء الجنة مناف لكل أذى، فهم من طيبة على خلاصة. وقيل في ظلال من قصور الجنة وأشجارها (وعيون) وهي ينابيع الماء التي تجري في ظل الاشجار. وقيل: ان تلك العيون جارية في غير أخدود، لان ذلك امتع بما يرى من حسنه وصفأته على كنهه من غير ملابسة شئ له، وليس هناك شئ إلا على أحسن صفاته، لان الله تعالى قد شوق اليه أشد التشويق ورغب فيه أتم الترغيب (وفواكه) وهي جمع فاكهة، وهي ثمار الاشجار التي من شأنها أن تؤكل، وقد يكون من الثمر ما ليس كذلك كالثمر المر، فانه ليس من الفاكهة.
وقوله (مما يشتهون) يعني لهم فاكهة من جنس ما يشتهونه.
ثم قال تعالى (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) صورته صورة الامر والمراد به الاباحة. وقال قوم: هو أمر على الحقيقة، لان الله تعالى يريد منهم الاكل والشرب في الجنة، وإنهم إذا علموا ذلك زاد في سرورهم، فلا تكون إرادته لذلك عبثا، والهنئ هو الذي لا أذى فيه فيما بعد. وقيل: الهنئ النفع الخالص من شائب الاذى. والشهوة معنى في القلب إذا صادفت المشتهى كان لذة، وضده النفار إذا