التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٠٣ - قوله تعالى
على اعادته واحيائه بعد موته (ألم يك نطفة من مني يمني) فالمني نطفة الذكر التي يجيئ منها الولد (ثم كان علقة) أي قطعة من الدم المنعقد جامدة لا تجري فخلق الله منها هذا الانسان الذي هو في احسن تقويم، فسبحان من قدر على ذلك. وقوله (فخلق فسوى) أي خلق من العلقة خلق سويا شق له السمع والبصر. وقال الفراء:
معنى (فسوى) فسواه (فجعل منه) من ذلك المني (الزوجين الذكر والانثى)
فمن قدر على ذلك لا يقدر على ان يحيي الموتى بعد ان كانوا أحياء؟ ! بلى والله قادر على ذلك، لان جعل النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظما وكسو العظم لحما ثم إنشاؤه خلقا آخر حيا سليما مركبا فيه الحواس الخمس كل واحدة منها يصلح لما لا يصلح له الاخرى، وخلق الذكر والانثى اللذين يصح منهما التناسل على ما قدره الله أعجب وابدع من اعادة الميت إلى ما كان من كونه حيا، فمن قد ر على الاول أولى بأن يكون قادرا على الثاني، فالاحياء ايجاد الحياة، والاماتة ايجاد الموت عند من قال أن الموت معنى، ومن قال: ليس بمعنى، قال: هو نقض بنية الحي على وجه الاختراع.
وقوله (فجعل منه) قيل يعني من الانسان (الزوجين الذكر والانثى) وقيل من المني (أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى) وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وا له إذا ختم السورة، يقول: سبحانك الله بلى، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام) وفي الاية دلالة على صحة القياس العقلي، وهو أن من قدر على احياء الانسان قادر على احيائه بعد الاماتة، وقال الفراء: يجوز في العربية يحيي الموتى بالادغام بأن ينقل الحركة إلى الحاء وتدغم احدى اليائين في الاخرى وانشد:
وكأنها بين النساء سبيكة * تمشي بسدة بيتها بتعي [١]
[١] مر في ٥ / ١٤٧ (*)