اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٣ - د - اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص
باتجاهه النفسي وموقفه الخاص ، وقد تنطمس أمام عينيه معالم الجانب الإسلامي الذي لم يتجه اليه نفسياً .
وهذا الموقف النفسي الذي تفرضه ذاتية الممارس لا موضوعية البحث ، لا يقتصر تأثيره على إخفاء بعض معالم التشريع ، بل قد يؤدي أحياناً إلى التضليل في فهم النص التشريعي ، والخطأ في استنباط الحكم الشرعي منه ، وذلك حينما يريد الممارس أن يفرض على النص موقفه الذاتي الذي اتخذه بصورة مسبقة ، فلا يوفق حينئذ إلى تفسيره بشكل موضوعي صحيح .
والأمثلة على هذا من الفقه عديدة . وقد يكون نهي النبي عن : منع فضل الماء ، والكلأ . . أوضح مثال من النصوص على مدى تأثر عملية الاستنباط من النص ، بالموقف النفسي للممارس . فقد جاء في الرواية : أن النبي قضى بين أهل المدينة في النخل : لا يمنع نفع بئر . وقضى بين أهل البادية : أنه لا يمنع فضل ماء ولا يباع فضل كلأ [١] . وهذا النهي من النبي عن منع فضل الماء والكلأ ، يمكن أن يكون تعبيراً عن حكم شرعي عام ، ثابت في كل زمان ومكان ، كالنهي عن الميسر والخمر . كما يمكن أيضاً ان يعبر عن اجراء معين ، اتخذه النبي بوصفه ولي الأمر المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين ، في حدود ولايته وصلاحياته ، فلا يكون حكماً شرعياً عاماً ، بل يرتبط بظروفه ومصالحه التي يقدّرها ولي الأمر .
وموضوعية البحث في هذا النص النبوي تفرض على الباحث استيعاب كلا هذين التقديرين ، وتعيين أحدهما على ضوء صيغة النص وما يناظره من نصوص .
وأما أولئك الذي يتخذون موقفاً نفسياً تجاه النص بصورة مسبقة ، فهم يفترون منذ البدء أن يجدوا في كل نص حكماً شرعياً عاماً ، وينظرون دائماً إلى النبي من خلال النصوص بوصفه أداة لتبليغ الأحكام العامة ، ويهملون دورة الإيجابي بوصفه ولي الأمر . فيفسرون النص الآنف الذكر على أساس انه حكم شرعي عام [٢] .
[١] راجع الوسائل ج ١٧ ، ص ٣٣٣ ، الحديث / ٣٢٢٤١ .
[٢] ويفرعون على هذا ان النهي ليس نهي تحريم ، وإنما هو نهي كراهة ، لأنهم يستبعدون أن يكون منع المالك لفضل ماله حراماً شرعاً ، في كل زمان ومكان .