اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧ - على الصعيد الإسلامي ٢٦
وكلنا نعلم أن الشعور العميق بالحرية ، كان يوفر شرطا أساسيا لكثير من النشاطات التي ساهمت في عملية التنمية ، وهو : انعدام الشعور بالمسؤولية الأخلاقية الذي لم تكن تلك النشاطات لتتم بدونه .
والحرية نفسها كانت أداة لانفتاح الإنسان الأوروبي على مفهوم الصراع ، لأنها جعلت لكل إنسان أن ينطق دون أن يحده في انطلاقه شئ ، سوى وجود الشخص الآخر الذي يقف في الطرف المقابل كمحدد له ، فكان كل فرد يشكل بوجوده ، النفي لحرية الشخص الآخر .
وهكذا نشأت فكرة الصراع في ذهن الإنسان الأوروبي ، وقد عبرت هذه الفكرة عن نفسها على الصعيد الفلسفي ، كما رأينا في سائر الأفكار الأساسية التي كونت مزاج الحضارة الغريبة الحديثة ، عبرت هذه الفكرة ( فكرة الصراع ) عن نفسها في الأفكار العلمية والفلسفية ، عن تنازع البقاء كقانون طبيعي بين الأحياء ، أو عن حتمية الصراع الطبقي داخل المجتمع ، أو عن الديالكتيك وتفسير الكون على أساس :
الأطروحة ونقيضها والمركب الناجم عن الصراع بين النقيضين . إن كل هذه الاتجاهات - ذات الطابع العلمي أو الفلسفي - هي قبل كل شئ تعبير عن واقع نفسي عام وشعور حاد لدى إنسان الحضارة الحديثة بالصراع .
وكان للصراع أثره الكبير في توجيه الاقتصاد الأوروبي الحديث وما وأكبه من عمليات التنمية ، سواء ما اتخذ منه الشكل الفردي وعبر عن نفسه بالتنافس المحموم وغير المحدود ، بين المؤسسات والمشاريع الرأسمالية الشخصية - في ظل الاقتصاد الحر - التي كانت تنمو وتنمي الثروة الكلية من خلال صراعها وتنافسها على البقاء ، أو ما اتخذ منه الشكل الطبقي وعبر عن نفسه بتجميعات ثورية تتسلم مقاليد الإنتاج في البلاد وتحرك كل الطاقات لصالح التنمية الاقتصادية .
هذه هي أخلاقية الاقتصاد الأوروبي ، وعلى هذه الأرضية استطاع هذا الاقتصاد أن يبدأ حركته ويحقق نموه ويسجل مكاسبه الضخمة .
وهذه الأخلاقية تختلف عن الأخلاقية التي تعيشها الأمة داخل العالم الإسلامي