اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٢٨ - ٥ - علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج
وتحدى الإسلام المنطق التاريخي المزعوم مرة ثالثة ، فيما أقام من علاقات التوزيع ، التي لم يكن من الممكن في حساب الاقتصاد الاشتراكي ، أن تقوم في مجتمع قبل أن يبلغ درجة من المرحلة الصناعية والآلية في الإنتاج . فقلص من دائرة الملكية الخاصة ، وضيق من مجالها ، وهذّب من مفهومها ، ووضع لها الحدود والقيود ، وفرض عليها كفالة الفقراء ، ووضع إلى جانبها الضمانات الكافية لحفظ التوازن والعدالة في التوزيع [١] ، وسبق بذلك الشروط المادية - في رأي الماركسية - لهذا النوع من العلاقات . فبينما يقول القرن الثامن عشر : ( لا يجهلن سوى الأبله أن الطبقات الدنيا يجب ، تظل فقيرة ، وإلا فإنها لن تكون مجتهدة ) [٢] . ويقول القرن التاسع عشر : ( ليس للذي يولد في عالم تم امتلاكه حق في الغذاء إذا ما تعذر عليه الظفر بوسائل عيشه عن طريق عمله أو أهله ، فهو طفيلي على المجتمع لا لزوم لوجوده ، إذ ليس له على خوان الطبيعة مكان ، والطبيعة تأمره بالذهاب ولا تتوانى في تنفيذ أمرها هذا ) [٣] ، بينما يقول العالم هذا حتى بعد مجيء الإسلام بقرون ، يقول الإسلام - على ما جاء في الحديث - معلناً مبدأ الضمان الاجتماعي . ( من ترك ضياعاً فعلي ضياعه ، ومن ترك ديناً فعلي دينه ) [٤] ، ويعلن الاقتصاد الإسلامي بوضوح : أن الفقر والحرمان ليس نابعاً من الطبيعة نفسها ، وإنما هو نتيجة سوء التوزيع والانحراف عن العلاقات الصالحة التي يجب أن تربط الأغنياء بالفقراء ، فيقول [٥] - على ما جاء في الحديث : ( ما جاع فقير إلا بما متع غني ) [٦] .
إن هذا الوعي الإسلامي لقضايا العدالة الاجتماعية في التوزيع ، الذي لم يوجد نظيره حتى في مجتمعات أرقى من المجتمع الإسلامي في شروطه المادية ، لا يمكن
[١] لاحظ الوسائل ج ٦ ، ص ١٠ ، الباب ٣ ، وص ١٧٨ ، الباب ٢٤ ، وجواهر الكلام ج ٢٢ ، ص ٩ .
[٢] النص لأحد كتاب القرن الثامن عشر ، وهو أثر يونج . من المؤلف
[٣] النص لمالتس الذي عاش في بداية القرن التاسع عشر . من المؤلف
[٤] الوسائل ج ١٣ ، ص ٩٢ ، الحديث ٢٣٧٩٦ .
[٥] لاحظ الوسائل ج ٦ ، ص ٣ و ٤ وج ١١ ، ص ٥٢١ ، والميزان ج ١٣ ، ص ٦٠ - ٦٢ .
[٦] نهج البلاغة ص ٥٣٣ ، الحكمة ٣٢٨ . وفي بعض النسخ : بما منع .