كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٩٢ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا

أن يكون بما هو استعداد يفارق ما هو مستعد به و هو استعداد فيه إن كان قائما ربما [١] هو مستعد به. و إن لم يكن قائما به، فليس هو صريح استعداد، لأنه من حيث هو موجود قائم بذاته، هو غير مضاف، بل هو معقول بنفسه. و من حيث هو استعداد فهو معقول بالقياس إلى غيره. و لا يجوز أن يكون أراد نفس الصورة المعقولة، فهى غير مفارقة عند أرسطو. و إنما يقول بقيامها بأنفسها مجردة عن النفوس أفلاطن.

و لا يجوز أن يكون أراد العقل المفارق؛ فإن شيئا من العقول المفارقة لا يجوز أن يقال فيه إنه أحد ما يجوز أن يفارقنا أو يقوم دوننا. فإن الشى‌ء الذي هو مبدأ وجود الكل كيف شك فى أمره أنه مفارق لكل شى‌ء؟ و كذلك الملائكة الذين لا يخالطون شيئا من الأشياء. و مثل من ذهب إلى أنه أراد العقل المفارق مثل من يعد الأعراض و الأحوال التي لأبداننا: ما الذي يفارق منها و ما الذي لا يفارق. فنقول: أما السواد فغير مفارق، و أما الشعاع الذي يقع عليه فغير مفارق، لكن الشمس مفارقة، و هو لا. فإنهم أيضا يقولون إن هذا الشى‌ء الذي هو العقل الفعال إنما يخرج نفوسنا من القوة إلى الفعل فى العقل بأن يتحد هو نفسه بنفوسنا و يصير صورة لها، و يصير عقلا لنا مستفادا. فإذا اضمحلت أبداننا بقى هو كما كان أولا، ليس أنه يؤثر فى أنفسنا أثرا، و يرسم فى قوانا مثل ذاته نفسا عقليا محاكيا. و مع ذلك فإنهم يجعلون المستعد لقبول تلك الذات قوة جسمانية و استعدادا فى قلب أو دماغ، فيجعلون المفارق الذي يقضون لمثله أن قوته غير متناهية.

و قد صرح أرسطو أن عدة من الأمور العقلية كل واحد منها غير جسم لسبب واحد و هو كونه غير متناهى القوة؛ و بذلك حكم عليه بالمفارقة و أن لا يتحرك و لا بالعرض، فإنه قال: ما قوته غير متناهية لا يتحرك، و لا بالعرض. فنرى- إذا صار عقلا مستفادا فى جسم لنا- هل يكون إلا كسائر الصور و القوى، متحركا بالعرض و محصورا فى قلب أو دماغ.

ثم كثير منهم يجعل العقل الفعال هو الإله الأول، فيبلغ من جهله أن يجعل الإله الأول الحق محصورا فى قلب أو دماغ. و هذا جهل و جسارة على رب العالمين. فنقول لهم: إذا خرج نفسنا من القوة إلى الفعل فى معقول واحد، فصار له ذلك بالفعل، فقد اتحد به العقل الفعال‌


[١] هذا اللفظ مضاف من عند ناسخ آخر فوق اللفظ التالى.