كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٥ - الميمر الخامس
و قواه لأجل أن حركاته و قواه لأجلها، بل لسبب آخر تتبعه هذه التأثيرات. فربما ضرّت و ربما نفعت، لا قصد لها بالمضرة و الشر، بل هى ضروريات تتبعها لا بد منها و لا يصدر عنها المذمومات بالقصد الأول، بل اتباع أمور ضرورية لازمة للخير لا يمكن أن تكون أسباب الخير أسبابا للخير على الجهة التي هى بها أسباب إلا و تلزمها بالضرورة فى الأول. و الندرة أمور ضارة و شرور، مثل أنه لن يجوز أن يقع الانتفاع الكلى بالنار و الماء فى عالم الكون و الفساد إلا و يكون هذا بحيث يتفق منه عند تصادم الأسباب المرتب كل منها فى مرتبته المجعول لكل واحد منها حركته للخير الأعم أن يحترق منه شىء نفيس إن كان نارا أو يغرق منه حيوان إن كان ماء. و أنه إذا جعلت النار لا بحيث تحرق و الماء لا بحيث يغرق أو جعلت حركات الأشياء بحيث لا تنادى إلى التقاء نار و ثوب نفيس أو وقوع حيوان شريف فى الماء لم يمكن أن يكون لا ذلك الخير العام و لا ذلك الشر النادر. و فقد الخير العام أعظم من الشر النادر، فإن ذلك شر عام.
فصل: تقول إنه لو لا صنع اللّه و جلالته و أنه بحيث له هذه القدرة لم تكن ذاته الذات المتعالية، لا أن هذا علة ذاته متعالية بل دلالة على تعالى ذاته و أنه يجب للذات المتعالية أن تكون بحيث يفيض منها الوجود على نظامه و الخير على نظامه، على أن ذلك تبع لوجوده لا على أن وجوده يشرف به، بل لأن وجوده لمّا شرف بذاته وجب أن يفيض عنه الوجود فلو لم يفض عنه الجود لم يكن ذلك سببا لأن لا تكون ذاته شريفة، بل كانت أولا لا تكون ذاته شريفة لأمر لها فى نفسها و لسبب يتعرض أن لا يفيض منه الجود و يلزمه و يتبعه. قالوا: لو لم يكن البارى بحيث يفيد وجود كلّ ذات و كل دائم، لم يكن الأول الحق، لا أن كونه غير فائض عنه الوجود يرفع أوليته، بل يدل على أن أوليته غير موجودة [١٦٤ ا] لا على أن رفع هذا علة لرفع ذاك. و تقول إنما احتيج فى العناية الإلهية كما هى عناية إلى وجود شىء مثل الهيولى يكون المكوّن منه قابلا للكون و الفساد لأجل أن أن تصير قابلة لتصرّف النفس فيها ليكون فى الملكوت نشوء النفوس الناطقة إلى غير نهاية مما لم يقبل ذلك صورا على أحسن ما يقبل و جعلها له و منفعة للجوهر الذي له النفس الناطقة و جعل كل أدنى كذلك للأفضل، لم يضع الممكنات من التكوين الشريف و أوجدت،