كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٥٣ - المقالة و الميمر الثاني
فلا يكون لها شوق جزئى معين، بل يكون نوع من الشوق كلى. و إن كان إلى جزئى كالشوق إلى الغذاء [١] مثلا حتى يتعين بسبب غير الشوق، فلا يكون إذن الشعور (بالبدن [٢]) بحسب ذلك التقدم شعورا جزئيا. كذلك لا يكون بذكر البدن لو بقى بعده [٣] ذكرا وهميا بل عقليا غير مخصّص. و هذا الضرب من الإدراك- و إن سميته توهما عقليا- فهو جهل بالجزئى من حيث هو جزئى. إلا أن ذلك الجهل ليس جهل نقص بل جهل شرف. و هذا كما قيل:
«أن لا يعلم كثير من الأشياء أفضل من أن يعلم [٤]». و الجهل جهلان: جهل لما هو فى المرتبة [٥] العالية، و جهل لما هو فى المرتبة [٦] السافلة. و كل واحد له حكم غير حكم الآخر: فالشيء العالى قد يجهل كنهه لعجز السافل لا لكونه مجهول الكنه؛ و الشىء السافل قد يجهل كنهه لكونه فى ذاته مجهول كنهه [٧] الجزئى. و العقل لا يتصور فيه الحقيقة الإلهية إلّا بضرب من المقايسات و اعتبار اللوازم و بالأشياء الخارجة عنه كما يفطن له من طريق الرسم. و لو كانت ذات العقل ذاتا يتوصل من ذاته إلى أن بينت له كنه حقيقة الأول كأنه كان ذات العقل موجبة لذات الأول حتى يلزم عنها اكتناه ذات الأول. فإذا كانت ماهيته غير موجبة لماهية الأول بل الأمر بالعكس، لم يكن تجلى ذات العقل للعقل ناقلا للعقل عن ذاته إلى ذات الأول، بل إنما تطلع عليه حقيقة ذات الأول من ذات الأول من حيث يجب لها الطلوع على [٨] كل مستعد قابل وجوبا من جهته و ليس من جهة القابل إلا الاستعداد. فيكون إدراكه إياه من حيث ينال عنه فقط من غير وجوب فى ذات العقل و لا الماهية [٩] أصلا. و من عادة القوم أن يجعلوا مثل هذا الإدراك فى التصورات و التصديقات جميعا ناقصة غير مكتنهة. و أما الكلام الفصل فيها فليتأمّل فى الكتب و فى «الحكمة المشرقية» و أنه كيف يجب أن يقال فى إدراك العقل لما فوقه [١٠].
[١] يقول إن الأنفس لا تتذكر أحوال العالم من حيث هى جزئية، و بهذه الجهة
[١] : إن النفس إذا فارقت هذا العالم الأعلى و صارت فى العالم العقلى، لم تتذكر شيئا مما علمته، و لا سيما إذا كان العلم الذي اكتسبته دنيا، بل تحرص على رفض جميع الأشياء التي نالت فى هذا العالم، و إلا (فى المطبوع: و لا) اضطرت إلى أن تكون هناك أيضا تقبل الآثار التي كانت تقبلها هاهنا. و هذا قبيح جدا أن تكون النفس تقبل آثار هذا العالم و هى فى العالم الأعلى» (ص ٢٤ س ١٤- س ١٩).
[١] العلا
[٢] الزيادة عن ت
[٣] أو بقى بعد ذكرا
[٤] أرسطو: «ما بعد الطبيعة»، مقالة اللام، ف ٩، ١٠٧٤ ب ٣٣. و راجعه قبل ص: ٢٠، ٣١.
[٥] الرتبة
[٦] الرتبة
[٧] له
[٨] على: ناقصة
[٩] م: لمية
[١٠] لما فوقه: ناقصة