كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٣٣ - (الفصل العاشر)
ذلك مطلقة منفصلة منقطعة لا يتصل بعضها ببعض، و لا يضاف بعضها إلى بعض، بل هناك مع الاختلاف اتصال و إضافة جامعة للكل، تجمع الكلّ إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ الذي يفيض عنه الجود و النظام على ما يمكن فى طباع الكل أن يترتب عليه.
ثم يقول ما معناه: إن ترتيب الطباع فى الكل كترتيب المنزل فى أن الأحرار و الأرباب فيها لا يطلق لهم أن يعملوا كل شىء كما اتفق، بل يكون لهم أفعال مخصوصة مرتّبة على النظام. و أما المماليك و العبيد و الكلاب و السّنانير فقلما تشارك الأولين فى أعمالهم، بل أكثر ما يفعلونه جار على ما يتفق، و خارج عن الترتيب المحفوظ، و مع ذلك فإن بدء الكل واحد من جملة أجزاء البيت و هو رب المنزل. فكذلك يجرى الحال فى الطبع فى أن يكون هناك أجزاء أول مسوّدة و نفيسة لها أفعال مخصوصة مثل السماوات و محركاتها و مدبراتها و ما قبلها، و أجزاء خسيسة متأخرة يجرى أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع و الإرادة و إن كان المصير فى كل حال إلى رأس واحد. ثم يقول: و مبدأ كل واحد منها الذي يبتنى عليه أمره هو احتماله فى نفسه هو على ذلك. فإن الدرجة الأولى إمكانها على نحو أفضل، و الثانية دون ذلك، و الثالثة التي للأجرام السماوية دون ذلك، و التي عندنا دون الجميع، و إذا لم يكن فى احتماله لم يكن ذلك بسبب المفيد المفيض للوجود، بل لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تستطيع أن تلبس الوجود و كماله على هذا النحو. و لذلك تقع العاهات و التشويهات فى الأمراض لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها الأول و الثاني، بل: إما أن لا تقبلها أصلا، أو تقبل منها الكمال الأول دون الثاني. و ليطلب كمال هذا الكلام و تمامه من المشرقيين. ثم إنه يقول- و صدقا يقول- إنّا إن لم نجر الأمور على هذا المنهاج التجأنا ضرورة إلى أن نقع فى محالات وقع فيها الذي قبلنا. و يعدّ بعد هذا مذاهب الثنوية و يفنّدها [١].
[١] فى الأصل يفسدها. و هى قراءة تصح أيضا؛ و لكن يغلب على الظن أن يكون ما افترضنا هو الأصل.