كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٣٠ - (الفصل التاسع)
الكريم الذي له و هو الكون بأقصى كما له؟! بل يكون ذا حالة كحالة النائم عندنا. و إن كان يعقل الأشياء، فتكون الأشياء متقدّمة عليه فيتقوم بما تفعلها ذاته، و يكون جوهره فى نفسه فى قوته و طباعه أن يقبل معقولات الأشياء، فيكون فى طباعه ما بالقوة، من حيث يكمل بما هو خارج عنه، من حيث أنه لو لا ما هو خارج عنه لم يكن له ذلك المعنى و كان فيه عدمها، فيكون الذي له فى طباع نفسه و باعتبار نفسه من غير إضافة إلى غيره أن يكون عادما للمعقولات. و من شأنه أيضا أن يكون له، و إلّا لم يكن البتة.
فهو باعتبار نفسه مخالط للإمكان و القوة. و إن فرضنا أنه لا يزال موجودا بالفعل، فلا يكون الذي له من ذاته الأمر الأفضل الأكمل، بل من غيره؛ و يكون كما له من جهة الشىء الذي يعقله، فإنه لو لا ذلك الشىء لما كان يعقله. و قد يعبّر عن هذا الغرض بعبارة تؤدى قريبا من هذا المعنى، فيقول: و أيضا إن كان جوهره العقل و أن يعقل، فلذلك هو: إما بأن يعقل ذاته، أو غيره. فإن كان يعقل شيئا آخر، فما هو فى حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله؟
و هل لهذا المعتبر بنفسه فضل و جلال مناسب لأن يعقل بأن يكون بعض أحوال أن يعقل له أفضل من بعض أحوال أن لا يعقل الشىء الآخر، بل أن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل، فإنه لا يمكن له القسم الآخر و هو أن يكون تعقل الشىء الآخر أفضل من الذي له فى ذاته من حيث هو فى ذاته شىء يلزمه أن يعقل، فيكون فضله و كما له بغيره. و من المحال أن يكون عاقلا لغيره، فإنه فى نفسه و فى رتبة وجوده الذي نخصه غير معتبر من جهة غيره، عظيم الرتبة جدا لا يحتاج إلى غيره. و لا يتغير سواء كان التغير زمانيا أو كان تغيرا بإرادته، يقبل من غيره أثرا، و إن كان دائما فى الزمان لكنه بعد الذات فى الرتبة الذاتية.
و إنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان، لأن انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير، لأن كل رتبة غير رتبته فهى دون رتبته. فكل شىء يناله و يتوصّف به فهو دون نفسه و يكون شيئا مناسبا للحركة، خصوصا إن كانت بعدية زمانية. و هذا معنى قوله: فإن التغير إلى الذي هو أشرّ.
ثم ما ادعاه من أن تتابع العقل له متعب، خطأ؛ و نسى أنه نفسه قال فى العقل الهيولانى إنه يزداد بالتعقل قوة و لا يتعب فى جوهره، بل بسبب ما يحتاج إليه فى العقل المنفعل و فى آلة العقل المنفعل؛ و هو لا يدعى فى نفس الإنسان أنه بالفعل عقل. ثم ليس إذا استكمل