الإنسان و آفاق المسؤولية - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠ - الإنسان بين الشك واليقين
نافذة تمكنه من فهم الوجود واستيعاب الحقائق؛ على اختلاف أنواعها وأشكالها.
وكما يوضح القرآن الكريم وتؤكد الشواهد التأريخية، فإن مجتمع نمرود كان متأثراً إلى درجة بعيدة بالظواهر الطبيعية الملموسة، حتى انتهى به الأمر إلى عبادة هذه الظواهر. ولكنّ النبي إبراهيم عليه السّلام الذي أوتي اليقين والبصيرة لم يعدو ارتباطه وتأثره بهذه الظواهر الكونية أكثر من الإعجاب بحالتها الإيجابية، مستفيداً منها كل الاستفادة في إطار إثبات أصل الوجود الذي هو الله عزّ وجلّ، وإثبات حقيقة السنن الكونية.
إن هذا النبي الكريم قد نفذ ببصيرته ويقينه إلى عمق الحياة، لذلك لم ينخدع بالظواهر والمظاهر. وهذا يعود بنا إلى القول بأن من يتحدى الجاهلية والطغيان بإمكانه أن يتوصل إلى حقيقة الوجود وأن لا تخدعه المظاهر مهما كان نوعها، حتى لو كانت هذه المظاهر متجسدة في أجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام وغسل الدماغ والإمكانات المادية. ومهما تكن درجة تأثيرها وتضليلها فهي ليست لدى النبي إبراهيم عليه السّلام وأمثاله من الشخصيات الإلهية العظيمة سوى مظاهر عديمة المحتوى؛ قياساً بدرجة اليقين والبصيرة.
نعم؛ فالآية الكريمة توضح كيف نفذ النبي إبراهيم عليه السّلام إلى ملكوت السماوات والأرض حينما لم ينخدع بالظواهر الطبيعية: (فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ اْلآفِلينَ* فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا