الإمام على عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٧ - سيدة النساء النصيرة الأولى للإمام عليه السلام
٢- ثُمَّ قَامَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُ [١] وَقَالَ: (كرديد ونكرديد وندانيد چه
[١] روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ٢ ص ١٧، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناده عن المغيرة: أن سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليًّا بعد النبي، فلما بويع أبو بكر قال سلمان للصحابة: أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن. قال: وفي رواية أخرى: أصبتم ذا السن منكم ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم. أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رَغَدًا.
قال ابن أبي الحديد: قلت هذا الخبر هو الذي رواه المتكلمون في باب الإمامة عن سلمان أنه قال: (كرديد ونكرديد) تفسره الشيعة فتقول: أراد أسلمتم، ويفسره أصحابنا فيقولون: معناه أخطأتم واصبتم.
وقال السيد المرتضى في الشافي [٤٠١] : فإن قيل: المروي عن سلمان أنه قال: (كرديد ونكرديد)، وليس بمقطوع به؛ قلنا: إن كان خبر السقيفة وشرح ما جرى فيها من الأقوال مقطوعًا به، فقول سلمان مقطوع به، لأن كل من روى السقيفة رواه، وليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فَيُتَّهَمَ فيه.
وليس لهم أن يقولوا: كيف خاطبهم بالفارسية وهم عرب، وذاك أن سلمان وإن تكلم بالفارسية فقد فسره بقوله: «أصبتم وأخطأتم»، أصبتم سنّة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم ... إلى آخر ما سيجيء في آخر هذا الباب (تتميم) نقلًا عن تلخيص الشافي.
أقول: ولفظ سلمان على ما في أنساب الأشراف (١/ ٥٩١) العثمانية: (ص ١٧٢ و ١٧٩ و ١٨٧ و ٢٣٧) (كرداد ونا كرداد)، فالظاهر من قوله: (كرداد ونا كرداد) أن صنيعهم هذا صنيع وليس بصنيع. قال في البرهان: كرداد- وزان بغداد بالفتح البناء والأساس. وقال: كردار بكسر الأول القاعدة والسيرة: (آئين- روش). فنفي الفعل ثانيًا بعد إثباته أولًا يفيد أن ما صنعوه لم يكن على وفق الحق ومقتضاه؛ حيث إن الناس وإن كان لابد لهم من أمير يطاوعون له، يصدرون عن نهيه ويردون بأمره، ولكن الذي يجب أن يُطاوَع ويُبايَع ليس هو أبو بكر الذي لا يمكنه أن يتخطَّى خطى النبي صلى الله عليه واله ويحذو حذوه، ولا له عصمة كعصمة النبي، فلا يؤثر في أشعارهم وأبشارهم ولا ... وألف ولا.
وأما الاعتراض بأنه كيف خاطبهم بالفارسية أولًا ثم خاطبهم بالعربية- قد أكثر في ذلك الجاحظ في العثمانية (ص ١٨٦)، فعندي أن ذلك معهود من طبيعة الإنسان؛ إذا إن في نفسه نفثة لا يمكنه أن يصدرها كما هي، أخرجها مُهَمْهِمًا كخواطر النفوس. وإذا كان عارفًا بلسانين كسلمان الفارسي أصدر النفثة بلسان غير لسان المخاطبينَ، ثم مضى في كلامه بلسانهم، فروى تلك الكلمة من سمعها من سلمان، وترجمها من كان يعرف اللغة الفارسية بعد ذلك.