الإمام على عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦ - الهجرة
مكانه شخص، ليُخَيَّل إليهم أنه النبي، ولن يكتشفوا الحقيقة إلَّا بعد أن يكون النبي مبتعدًا عن مكة أميالًا أو يستقر في غار ثور فعلًا.
ولكن من هو ذلك الذي يُقدم على الموت على الفراش؟. وليس في ساحة الحرب، حيث الثورة والهياج وحيث يُقاتِل فَيَقتُل ويُقتَل، بل حين الموت على الفراش لا يدافع عن نفسه، ولا تثور أعصابه، ولا يقوم بحركة!.
إن لهذه المهمة رجلًا واحدًا فقط، هو ابن أبي طالب!! إنه لا يتهيَّب أبدًا وَقَعَ الموت عليه، أو وَقَعَ هو على الموت.
وجاء إليه النبيُّ صلى الله عليه واله يعرض عليه أمر الهجرة، ويأمره بالمهمة، فإذا بعليٍّ عليه السلام، وكأنه قد بُشِّر بملك الدنيا، يرحب بها بعد أن يَطْمَئِنَّ إلى سلامة الرسول. وينجو الرسول صلى الله عليه واله من أيدي المتآمرين، ويتقلب الإمام عليه السلام على فراشه، وتلمع حول البيت سيوف تنتظر الفجر لتهجم على المستلقي على الفراش فتقطعه إربًا إربًا، وعندما اقترب الصبح، رمَوا حجرًا إليه، فلم يتحرك، ثم رمَوا الثاني، وعندما رمَوا الثالث قام من مكانه، فقال قائلهم: من هذا؟. إنه ابن أبي طالب. قالوا له: اين محمدٌ؟. قَالَ عليه السلام
: أَ جَعَلْتُمُونِي عَلَيْهِ رَقِيبًا ...» [١]
. فأراد بعضهم أن يفتك به، ولكن منعه الآخرون، وأنجاه الله من شرّهم.
وكان على الإمام عليه السلام مهمة كبيرة أخرى، تلك مسؤولية حمل أهل بيت النبي صلى الله عليه واله وضعفاء المسلمين المتخلفين في مكة إلى المدينة.
وكانت مهمة شاقة؛ حيث إن أهل مكة حينما عرفوا بغياب النبي تميَّزوا
[١] بحار الأنوار، ج ١٩، ص ٥٠.