الإمام على عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - الأيام الأخيرة لعهد الإمام عليه السلام
كل ذلك، وأهل الكوفة لا يزالون مختلفين، إذ كانوا متأخرين قرونًا عديدة عن أفق الإمام عليه السلام، حيث كان يستحثهم بكل ما أُوتي من بلاغة القول وحكمة الرأي وقوة الطرح، على الجهاد في سبيل الله وعلى المحافظة على كرامتهم ومكاسب ثورتهم، فلم يكن يستجيب له إلَّا طليعة القوم.
ولعل الهدف الأسمى للإمام عليه السلام كان ترسيخ أسس الإيمان عند هؤلاء الطليعة الذين هم شيعته المخلصون، ليمتدَّ الخط الرسالي حاملًا مشعل التوحيد، عبر الأجيال.
وكان يؤلمه حقًّا تفرُّقُ أهل الكوفة عن حقهم، واجتماع أهل الشام على باطلهم، وكان يتمنى أن لَو بادَلَه معاويةُ بأصحابه على أن يدفع منهم عشرة ويأخذ واحدًا من أصحاب معاوية، وأخيرًا رمى بآخر سهم من كنانته فقال:
«أَمَا إِنِّي قَدْ سَئِمْتُ مِنْ عِتَابِكُمْ وَخِطَابِكُمْ، فَبَيِّنُوْا لِيْ مَا أَنْتُمْ فَاعِلُوْنَ، فَإِنْ كُنْتُمْ شَاخِصِيْنَ مَعِيْ إِلَى عَدُوِّيْ فُهُوَ مَا أَطْلُبُ وَمَا أُحِبِّ، وَإِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ فَاعِلِيْنَ فَاكْشِفُوْا لَيْ عَنْ أَمْرِكُمْ. فَوَاللهِ لَئِنْ لَمْ تَخْرُجُوْا مَعِيْ بِأَجْمَعِكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ فَتُقَاتِلُوْهُ حَتَّىْ يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِيْنَ، لَأَدْعُوَنَّ اللهَ عَلَيْكُمْ وَلَأَسِيْرَنَّ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِيْ إِلَّا عَشْرَةٌ.
وأضاف قائلًا: «أَجْلَافُ أَهْلِ الشَّامِ أَصْبَرُ عَلَى نُصْرَةِ الضَّلَالِ، وَأَشَدُّ إِجْمَاعًا عَلَى البَاطِلِ مِنْكُمْ عَلَى هُدَاكُمْ وَحَقِّكُمْ. مَا بَالُكُمْ وَمَا دَوَاؤُكُمْ؟. إِنَّ القَوْمَ أَمْثَالُكُمْ لَا يُنْشَرُوْنَ إِنْ قُتِلُوْا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» [١]
[١] سيرة الأئمة الأثني عشر، ص ٤٩٩.