قبس في تفسير القرآن - الخوئي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٤ - ايقاظ
و أما
حكم بعض الأعلام بأنه لا دين لهم، فلعل نظره إلى ما ذكره ابن زيد وابن منبه
من أنهم يقولون لا اله إلا اللّه ويعرفون اللّه وحده وليس لهم عمل ولا
كتاب.
و كذا تصريح البعض الآخر بكفرهم، فإنه ناش من بعض الاعتقادات الباطلة والخرافات التي دخلت دينهم.
لكنك قد عرفت أن ذلك غير ضائر لوجود أمثاله في جميع الأديان السماوية
السابقة، فليس اعتقادهم بتأثير الكواكب والنجوم في الحوادث السفلية أو
خلقها لها بأشد من قول اليهود بأن عزيزا ابن اللّه، ولا قول النصارى
بالثالوث المقدس، وكون اللّه مركبا من الأب والأبن وروح القدس. فضلا عن
سائر الخرافات والأكاذيب التي تضمنته كتبهم.
فإن ذلك كله لا يعني عدم كونهم بالأصل من أهل الكتاب، وإنما دخلت تلك
الامور في جملة معتقداتهم على نحو التدريج وبمرور الزمان ونتيجة لاختلاطهم
بسائر والأقوام والملل.
بل ويظهر من المسعودي ذلك بوضوح حيث قال: أقام الصابئة على عبادة الأصنام
برهة من الزمان وجملة من الأعصار، حتى نبههم بعض حكمائهم إلى أن الأفلاك
والكواكب أقرب الاجسام المرئية إلى اللّه تعالى، وأنها حية ناطقة وأن
الملائكد تختلف فيما بينها وبين اللّه، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما
هو على قدر ما تجري به الكواكب على أمر اللّه، فعظموها وقربوا لها
القرابين لتنفعهم فمكثوا على ذلك دهرا طويلا، فلما رأوا الكواكب تختفى
بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يرعض في الجو من السواتر، أمرهم بعض من
كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لهم أصناما بعدد الكواكب المشهورة، وكل صنف
منهم صار يعظم كوكبا منها ويقرّب له نوعا من القربان خلاف ما للآخر.
على أنهم إذا عظموا ما صوّروا من الأصنام تحركت لهم الأجسام العلوية