قبس في تفسير القرآن - الخوئي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - ايقاظ
النازلين من السماء.
ثم إن المفسرين قد اختلفوا في ارتكاب قوم موسى عليه السّلام للمعصية
بسؤالهم أن يدعو ربه ليخرج لهم مما تنبت الأرض وعدمه، فمنهم من ذهب إلى
الأول واستشهد لمدعاه بإنكاره عليه السّلام عليهم باستبدل الذي هو أدنى
بالذي هو خير. ومنهم من ذهب إلى الثاني مجيبا عن الحجة السابقة بأن الإنكار
قد يكون بلحاظ تفويت الأنفع لهم.
أقول: ملاحظة ورود هذه الآية في سياق الآيات الكريمة التي تضمنت قصة بني
إسرائيل مع موسى عليه السّلام، وورودها في مقام بيان كفرانهم لأنعمه تبارك
وتعالى، ومقابلة أفضاله والائه بالكفر والعصيان، ومخالفة نبيّه تساعد على
القول الأول.
و يؤيد ذلك قوله عز اسمه بعد ذلك: { و ضربت عليهم الذلة والمسكنة } ،
فإنه وإن أمكن أن يقال بأن الذلة والمسكنة لم يكونا نتيجة لعصيانهم وجزاء
على فعلهم وسؤالهم، وإنما كانا نتيجة قهرية لتركهم مائدة السماء التي كانت
تنزل عليهم من غير تعب ولا جهد ويأكلون منها رغدا هنيئا، وطلبهم مما تنبت
الأرض المستتبع للذلة والمسكنة قهرا، بلحاظ استلزام اخراجه من الأرض لبذل
الجهد الكثير والعمل الدؤوب واحتياج بعضهم إلى بعضهم الآخر في قوته ورزقه.
إلا أنه بعيد جدا بالقياس إلى المعنى الآخر، أعني كونهما جزاء لعصيانهم، لا سيمابملاحظة قوله تعالى: { و ضربت عليهم } ، فإنه بمعنى الفرض عليهم، وهو ينسجم مع الجزاء دون كونه نتيجة طبيعية للتبديل كما هو واضح.
كما ويدل على المختار قوله تعالى: { و باؤ بغضب من اللّه } حيث إنه واضح الدلالة على العصيان وارتكاب المحرم.
نعم بناء على القول بكون الواو في قوله تعالى: { و ضربت عليهم الذلّة }