قبس في تفسير القرآن - الخوئي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٣ - ايقاظ
و الذي
يقتضيه التأمل في سياق الآيات الكريمة التي تلوناها عليك، والتدبر في
مداليلها هو الحكم بكون الصابئة من أهل الكتاب، حالهم في ذلك حال اليهود
والنصارى والمجوس، فإنهم قرنوا في الآيتين الاولى والثانية بأهل الكتاب،
وجعلوا في عداد الذينلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون إذا
ما أخلصوا في دينهم وعملوا بما يفرضه عليهم الواجب الشرعي في ذلك الظرف،
فإن ذلك يدلّ وبوضوح على كونهم من أهل الكتاب وأصحاب الرسالات السماوية،
خصوصا انهم واليهود والنصارى والمجوس جعلوا في قبال الذين أشركوا في الآية
الثالثة.
و دعوى: أن ذكر الذين أشركوا في الآية الكريمة من قبيل ذكر العام بعد الخاص.
لا تنسجم مع اشتمالها على اليهود والنصارى، فإنهم من أهل الكتاب جزما.
و احتمال رجوع«الذين أشركوا»إلى الصنفين الأخيرين-الصابئين والمجوس-خاصة
بعيد جدا، فإن القيد أو الوصف المتعقب لجمل متعددة إمّا أن يرجع إلى الأخير
خاصة أو إلى الجميع على حدّ سواء-على الخلاف المحرر في علم الأصول-و أمّا
رجوعه إلى اثنتين من تلك الجمل دون اثنتين، فهو بعيد غايد البعد ويحتاج إلى
الدليل وهو مفقود، خصوصا إذا لم يكن الأمران الودعى رجوع القيد إليهما
متتاليين، كما هو الحال في الآية الكريمة، فإنها اشتملت على الأصناف
الأربعة على النحو الآتي: اليهود ثم الصابئة ثم النصارى ثم المجوس، فدعوى
رجوع القيد المتعقب لها إلى الثاني والأخير خاصة دون الأول والثالث، بعيدة
غاية البعد بل غير واردة بحسب الذوق العرفي العربي.
و مما يؤيد كونهم من أهل الكتاب اتفاق أغلب المفسرين بل جميعهم على كونهم اناسا موحدين يؤمنون باللّه الواحد رب الأرباب.