قبس في تفسير القرآن - الخوئي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٦ - التفسير
و اتفاق المفسرين من الفريقين على مضمونها هذا، يمنع من القول بخلافها.
و لو لا هذه الجهة لأمكن القول بمقالة أبي حيان الأندلسي، حيث ذهب إلى كون
ترتيب القصة على وفق تلاوتها في الكتاب العزيز، وأن القوم إنما أمروا أولا
بذبح البقرة فتثاقلوا وتباطؤا في امتثال الأمر لجهلهم بالواقع وما سيحدث
بعد ذلك، ثم حدثت واقعة القتل وتخاصموا فيها، فأمروا بضرب بعضه ببعض تلك
البقرة المذبوحة ليحيى الميت ويخبرهم بقاتله.
و قد ذكر في وجه ذلك أنه هو الذي يقتضيه سياق الكلام، وعكسه يحتاج إلى
الدليل القطعي وهو مفقود، باعتبار ان جميع النصوص الواردة في المقام ضعيفة
لا يمكن الاعتماد عليها.
و على كل فلنعد إلى تفسير الآيات الكريمة:
{ و إذ قال موسى لقومه } من بني إسرائيل بعد أن تخاصموا في أمر القتيل { إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة } لتعرفوا القاتل.
{ قالوا أتتّخذنا هزوا } جواب لسؤال ينساق فورا إلى الذهن، تقديره فماذا كان موقف قومه من الأمر؟
نعم إنهم لقصور عقلهم وقلة ادراكهم لم يتعقلوا وجود مصلحة فيما أمروا به،
بل وعلى العكس من ذلك تماما وجدوه نوع استهزاء بهم لعدم ارتباطه ظاهرا بما
سألوا عنه، فهم يسألون عن القاتل، والرسول يجيبهم بالأمر بذبح البقرة.
و الهزو بمعنى المهزوء به نظير قوله تعالى: { أحلّ لكم صيد البحر } [١]،
والمراد المصيد، ويحتمل ان يراد بالهزو هو نفسه لكن بتقدير حذف المضاف،
أي مكان هزو أو أهله، كما يحتمل أن يكون استعماله للمبالغة نظير ما يقال:
زيد عدل وعمرو كرم.
[١]المائدة، الآية: ٩٦