الأمالي - ط دار الثقافة - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨١
وَ لَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ ارْتَاعَ لَهُ وَ ظَنَّهُ سِحْراً، فَقَالَ: رُدُّوا الْفِيلَ إِلَى مَكَانِهِ.
ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِيمَ جِئْتَ فَقَدْ بَلَغَنِي سَخَاؤُكَ وَ كَرَمُكَ وَ فَضْلُكَ، وَ رَأَيْتُ مِنْ هَيْبَتِكَ وَ جَمَالِكَ وَ جَلَالِكَ مَا يَقْتَضِي أَنْ أَنْظُرَ فِي حَاجَتِكَ فَسَلْنِي مَا شِئْتَ، وَ هُوَ يَرَى أَنَّهُ يَسْأَلُهُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ غَدَوْا عَلَى سَرْحٍ لِي فَذَهَبُوا بِهِ فَمُرْهُمْ بِرَدِّهِ عَلَيَّ.
قَالَ: فَتَغَيَّظَ الْحَبَشِيُّ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لَقَدْ سَقَطْتَ مِنْ عَيْنِي، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي فِي سَرْحِكَ وَ أَنَا قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِ شَرَفِكَ وَ شَرَفِ قَوْمِكَ، وَ مَكْرُمَتِكُمُ الَّتِي تَتَمَيَّزُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ جِيلٍ، وَ هُوَ الْبَيْتُ الَّذِي يُحَجُّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ صُقْعٍ فِي الْأَرْضِ، فَتَرَكْتَ مَسْأَلَتِي فِي ذَلِكَ وَ سَأَلْتَنِي فِي سَرْحِكَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: لَسْتُ بِرَبِّ الْبَيْتِ الَّذِي قَصَدْتَ لِهَدْمِهِ، وَ أَنَا رَبُّ سَرْحِيَ الَّذِي أَخَذَهُ أَصْحَابُكَ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ فِيمَا أَنَا رَبُّهُ، وَ لِلْبَيْتِ رَبٌّ هُوَ أَمْنَعُ لَهُ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: رُدُّوا إِلَيْهِ سَرْحَهُ، وَ انْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ، وَ أَتْبَعَهُ الْمَلِكُ بِالْفِيلِ الْأَعْظَمِ مَعَ الْجَيْشِ لِهَدْمِ الْبَيْتِ، فَكَانُوا إِذَا حَمَلُوهُ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ أَنَاخَ، وَ إِذَا تَرَكُوهُ رَجَعَ مُهَرْوِلًا. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِغِلْمَانِهِ: ادْعُوا لِيَ ابْنِي، فَجِيءَ بِالْعَبَّاسِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، ادْعُوا لِيَ ابْنِي، فَجِيءَ بِأَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، ادْعُوا لِيَ ابْنِي، فَجِيءَ بِعَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَلَمَّا أَقْبَلَ إِلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ يَا بُنَيَّ حَتَّى تَصْعَدَ أَبَا قُبَيْسٍ[١]، ثُمَّ اضْرِبْ بِبَصَرِكَ نَاحِيَةَ الْبَحْرِ، فَانْظُرْ أَيَّ شَيْءٍ يَجِيءُ مِنْ هُنَاكَ وَ خَبِّرْنِي بِهِ.
قَالَ: فَصَعِدَ عَبْدُ اللَّهِ أَبَا قُبَيْسٍ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ طَيْرٌ أَبَابِيلُ[٢] مِثْلَ السَّيْلِ وَ اللَّيْلِ، فَسَقَطَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ سَبْعاً، ثُمَّ صَارَ إِلَى الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ فَطَافَ بِهِمَا سَبْعاً، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: انْظُرْ يَا بُنَيَّ مَا يَكُونُ مِنْ
[١] أبو قبيس: جبل بمكّة.
[٢] أبابيل: جماعات.