الأمالي - ط دار الثقافة - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٢٨
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَ خَصَّ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَ جَعَلَ لَهُمُ الْبِلَادَ، وَ خَوَّلَهُمْ الْعِبَادَ، فَأَظْهَرُوا فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وَ حَمَلَ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ حَتَّى غَلَبُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ مَا رَأَوْا مِنْ ذَلِكَ، فَعَاتَبُوهُ فَلَمْ يُعْتِبْهُمْ، وَ رَاجَعُوهُ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ، وَ حَمَلَهُمْ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَنْ ضَرَبَ بَعْضاً، وَ نَفَى بَعْضاً، وَ حَرَّمَ بَعْضاً، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يَدْفَعُوهُ بِالْبَيْعَةِ، وَ مَا عَقَدُوا لَهُ فِي رِقَابِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ الْعَمَلِ بِهِمَا، فَحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْنَا طَاعَةٌ.
فَافْتَرَقَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ عَلَى خَاذِلٍ وَ قَاتِلٍ، فَأَمَّا مَنْ قَاتَلَ فَرَأَى أَنَّهُ حَيْثُ خَالَفَ الْكِتَابَ وَ السُّنَّةَ، وَ اسْتَأْثَرَ بِالْفَيْءِ، وَ اسْتَعْمَلَ مَنْ لَا يَسْتَأْهِلُ، رَأَوْا أَنَّ جِهَادَهُ جِهَادٌ، وَ أَمَّا مَنْ خَذَلَهُ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ، وَ لَمْ يَسْتَوْجِبِ النُّصْرَةَ بِتَرْكِ أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ.
وَ اجْتَمَعُوا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَبَايَعُوهُ، فَقَامَ وَ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَارِهاً لِهَذِهِ الْوِلَايَةِ، يَعْلَمُ اللَّهُ فِي سَمَاوَاتِهِ وَ فَوْقِ عَرْشِهِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى اجْتَمَعْتُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَدَخَلْتُ فِيهِ، وَ ذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ:
أَيُّمَا وَالٍ وَلِيَ أَمْرَ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي أُقِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى حَدِ الصِّرَاطِ، وَ نَشَرَتِ الْمَلَائِكَةُ صَحِيفَتَهُ، فَإِنْ نَجَا فَبِعَدْلِهِ، وَ إِنْ جَارَ انْتَقَضَ بِهِ الصِّرَاطُ انْتِقَاضَةً تُزِيلُ مَا بَيْنَ مَفَاصِلِهِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ عُضْوٍ وَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ، يَخْرِقُ بِهِ الصِّرَاطُ، فَأَوَّلُ مَا يَلْقَى بِهِ النَّارَ أَنْفُهُ وَ حُرُّ وَجْهِهِ، وَ لَكِنِّي لَمَّا اجْتَمَعْتُمْ عَلَيَّ نَظَرْتُ فَلَمْ يَسَعْنِي رَدُّكُمْ حَيْثُ اجْتَمَعْتُمْ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.
فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَبَايَعُوهُ، فَأَوَّلُ مَنْ قَامَ فَبَايَعَهُ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ قَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ وَ سَائِرُ النَّاسِ حَتَّى بَايَعَهُ النَّاسُ، وَ كَانَ الَّذِي يَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَ هُمَا يَقُولَانِ: نُبَايِعُكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَ إِنْ لَمْ نَفِ لَكُمْ فَلَا طَاعَةَ لَنَا عَلَيْكُمْ، وَ لَا بَيْعَةَ فِي أَعْنَاقِكُمْ، وَ الْقُرْآنُ إِمَامُنَا وَ إِمَامُكُمْ.