الأمالي - ط دار الثقافة - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٨٥
حَادِي، وَ نَادَاكم لِلْمَوْتِ مُنَادِي، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ غَرَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ، تَنْكِحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْلًا، وَ تَقْتُلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أَهْلًا، وَ تُفَرِّقُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ شَمْلًا، فَكَمْ مِنْ مُنَافِسٍ فِيهَا، وَ رَاكِنٍ إِلَيْهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، قَدْ قَذَفَتْهُمْ فِي الْهَاوِيَةِ، وَ دَمَّرَتْهُمْ تَدْمِيراً، وَ تَبَّرَتْهُمْ تَتْبِيراً، وَ أَصْلَتْهُمْ سَعِيراً.
أَيْنَ مَنْ جَمَعَ فَأَوْعَى، وَ شَدَّ فَأَوْكَى، وَ مَنَعَ فَأَكْدَى بَلَى أَيْنَ مَنْ عَسْكَرَ الْعَسَاكِرَ، وَ دَسْكَرَ الدَّسَاكِرَ[١]، وَ رَكِبَ الْمَنَابِرَ، أَيْنَ مَنْ بَنَى الدُّورَ، وَ شَرَّفَ الْقُصُورَ، وَ جَمْهَرَ الْأُلُوفَ قَدْ تَدَاوَلَتْهُمْ أَيَّامُهَا، ابْتَعَلَتْهُمْ أَعْوَامُهَا، فَصَارُوا أَمْوَاتاً، وَ فِي الْقُبُورِ رُفَاتاً، قَدْ نَسُوا مَا خَلَّفُوا، وَ وَقَفُوا عَلَى مَا أَسْلَفُوا، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ.
وَ كَأَنِّي بِهَا وَ قَدْ أَشْرَقَتْ بِطَلَائِعِهَا، وَ عَسْكَرَتْ بِفَظَائِعِهَا، فَأَصْبَحَ الْمَرْءُ بَعْدَ صِحَّتِهِ مَرِيضاً، وَ بَعْدَ سَلَامَتِهِ نَقِيضاً، يُعَالِجُ كَرْباً، وَ يُقَاسِي تَعَباً، فِي حَشْرَجَةِ السِّبَاقِ، وَ تَتَابُعِ الْفُوَاقِ، وَ تَرَدُّدِ الْأَنِينِ، وَ الْذُّهُولِ عَلَى الْبَنَاتِ وَ الْبَنِينَ، وَ الْمَرْءُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ شُغُلٌ شَاغِلٌ، وَ هَوْلٌ هَائِلٌ، قَدِ اعْتُقِلَ مِنْهُ اللِّسَانُ، وَ تَرَدَّدَ مِنْهُ الْبَنَانُ، فَأَصَابَ مَكْرُوهاً، وَ فَارَقَ الدُّنْيَا مَسْلُوباً، لَا يَمْلِكُونَ لَهُ نَفْعاً، وَ لَا لِمَا حَلَّ بِهِ دَفْعاً، يَقُولُ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) فِي كِتَابِهِ:
«فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ- تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»[٢].
ثُمَّ مِنْ دُونِ ذَلِكَ أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ، وَ يَوْمُ الْحَسْرَةِ وَ النَّدَامَةِ، يَوْمَ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، وَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، بِإِحْصَاءِ كُلِّ صَغِيرَةٍ، وَ إِعْلَانِ كُلِّ كَبِيرَةٍ، يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ:
«وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً»[٣].
ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، الْآنَ الْآنَ مِنْ قَبْلِ النَّدَمِ، وَ مِنْ قَبْلِ «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ- أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ
[١] الدساكر: جمع دسكرة، و هي بناء شبه القصر حواليه بيوت، تكون للملوك، و قيل: القرية العظيمة.
[٢] سورة الواقعة ٥٦: ٨٦، ٨٧.
[٣] سورة الكهف ١٨: ٤٩.