الأمالي - ط دار الثقافة - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٣١
تَتَعَلَّقُ فِي مِثْلِ هَذَا يَا أَعْبَسُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَقَامَ الزُّبَيْرُ فَالْتَفَتَ إِلَى عَمَّارٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فَقَالَ: عَجَّلْتَ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ عَلَى ابْنِ أَخِيكَ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَسْمَعَ قَوْلَ مَنْ رَأَيْتَ، فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَهْلِكْ مَنْ هَلَكَ مِنْكُمْ حَتَّى اسْتَدْخَلَ فِي أَمْرِهِ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَسْمَعَ مِنْهُمْ. فَقَالَ عَمَّارٌ: وَ اللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَوْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا خَالَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمَا خَالَفْتُهُ، وَ لَا زَالَتْ يَدَيِ مَعَ يَدِهِ، وَ ذَلِكَ لِأَنَّ عَلِيّاً لَمْ يَزَلْ مَعَ الْحَقِّ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ عَلَيْهِ أَحَداً.
فَاجْتَمَعَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ وَ رِفَاعَةُ وَ أَبُو أَيُّوبَ وَ سَهْلُ بْنِ حُنَيْفٍ، فَتَشَاوَرُوا أَنْ يَرْكَبُوا إِلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالْقَنَاةِ فَيُخْبِرُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، فَرَكِبُوا إِلَيْهِ فَأَخْبَرُوهُ بِاجْتِمَاعِ الْقَوْمِ وَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الشَّكْوَى وَ التَّعْظِيمِ لِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَ قَالَ لَهُ أَبُو الْهَيْثَمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْظُرْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَرَكِبَ بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَيْرِ وَ الْفَضْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا الْأُسْوَةَ، وَ طَلَبُوا الْأَثَرَةَ، وَ سَخِطُوا لِذَلِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَيْسَ لِأَحَدٍ فَضْلٌ فِي هَذَا الْمَالِ، وَ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ، وَ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ سِيرَتِهِ.
ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَ تَمُنُّونَ عَلَيَّ بِإِسْلَامِكُمْ- قَالَ أَحْمَدُ:
عَلَى اللَّهِ بِإِسْلَامِكُمْ- بَلْ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ الْمَنُّ عَلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَرْمُ[١]. وَ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَ جَلَسَ نَاحِيَةَ الْمَسْجِدِ، وَ بَعَثَ إِلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ فَدَعَاهُمَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: أَ لَمْ تَأْتِيَانِي وَ تُبَايِعَانِي طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ[٢]، فَمَا أَنْكَرْتُمْ، أَ جَوْرٌ فِي
[١] القرم: الفحل من الإبل، و قيل للسيّد العظيم على التشبيه بالفحل.
[٢] الظاهر أنّ سقطا في هذا الموضع، يدلّ عليه ما يأتي في جواب أمير المؤمنين( عليه السّلام) من ذكر الاستشارة، و السقط على ما في رواية ابن أبي الحديد ٧: ٤٠:« قالا: بلى. فقال: غير مجبرين و لا مقسورين، فاسلمتما لي بيعتكما، و أعطيتماني عهدكما؟ قالا: نعم. قال: فما دعاكما بعد إلى ما أرى؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على ألّا تقضي الأمور و لا تقطعها دوننا، و أن تستشيرنا في كلّ أمر، و لا تستبدّ بذلك علينا، و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت؛ فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر، و تمضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا».