الأمالي - ط دار الثقافة - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٥٣
يَتَقَلَّبُونَ، هَؤُلَاءِ تُحْشَى جَمَاجِمُهُمْ بِمِسْكِ الْجِنَانِ، وَ هَؤُلَاءِ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعِ النِّيرَانِ، هَؤُلَاءِ يُعَانِقُون الْحُورَ فِي الْحِجَالِ، وَ هَؤُلَاءِ يُطَوَّقُونَ أَطْوَاقاً فِي النَّارِ بِالْأَغْلَالِ، فِي قَلْبِهِ فَزَعٌ قَدْ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ وَ بِهِ دَاءٌ لَا يَقْبَلُ الدَّوَاءَ.
يَا مَنْ يُسَلَّمُ إِلَى الدُّودِ وَ يُهْدَى إِلَيْهِ، اعْتَبِرْ بِمَا تَسْمَعُ وَ تَرَى، وَ قُلْ لِعَيْنَيْكَ تَجْفُو لَذَّةَ الْكِرَى، وَ تُفِيضُ مِنَ الدُّمُوعِ بَعْدَ الدُّمُوعِ تَتْرَى، بَيْتُكَ الْقَبْرُ بَيْتُ الْأَهْوَالِ وَ الْبِلَى، وَ غَايَتُكَ الْمَوْتُ.
يَا قَلِيلَ الْحَيَاءِ، اسْمَعْ يَا ذَا الْغَفْلَةِ وَ التَّصْرِيفِ، مِنْ ذِي الْوَعْظِ وَ التَّعْرِيفِ، جَعَلَ يَوْمَ الْحَشْرِ يَوْمَ الْعَرْضَ وَ السُّؤَالِ، وَ الْحِبَاءِ وَ النَّكَالِ، يَوْمَ تُقْلَبُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْأَنَامِ، وَ تُحْصَى فِيهِ جَمِيعُ الْآثَامِ، يَوْمَ تَذُوبُ مِنَ النُّفُوسِ أَحْدَاقُ عُيُونِهَا، وَ تَضَعَ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَ يُفَرَّقُ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ وَ حَبِيبِهَا، وَ يَحَارُ فِي تِلْكَ الْأَهْوَالِ عَقْلُ لَبِيبِهَا، إِذْ تَنَكَّرَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ حُسْنِ عِمَارَتِهَا، وَ تَبَدَّلَتْ بِالْخَلْقِ بَعْدَ أَنِيقِ زَهْرَتِهَا، أَخْرَجَتْ مِنْ مَعَادِنِ الْغَيْبِ أَثْقَالَهَا، وَ نُفِّضَتْ إِلَى اللَّهِ أَحْمَالُهَا، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الْجَدُّ إِذْ عَايَنُوا الْهَوْلَ الشَّدِيدَ فَاسْتَكَانُوا، وَ عُرِفَ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَاسْتَبَانُوا، فَانْشَقَّتِ الْقُبُورُ بَعْدَ طُولِ انْطِبَاقِهَا، وَ اسْتَسْلَمَتِ النُّفُوسُ إِلَى اللَّهِ بِأَسْبَابِهَا، كُشِفَ عَنِ الْآخِرَةِ غِطَاؤُهَا، وَ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ أَنْبَاؤُهَا، فَ دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَ مُدَّتْ لِأَمْرٍ يُرَادُ بِهَا مَدّاً مَدّاً، وَ اشْتَدَّ الْمُثَارُونَ إِلَى اللَّهِ شَدّاً شَدّاً، وَ تَزَاحَفَتِ الْخَلَائِقُ إِلَى الْمَحْشَرِ زَحْفاً زَحْفاً، وَ رُدَّ الْمُجْرِمُونَ عَلَى الْأَعْقَابِ رَدّاً رَدّاً، وَ جَدَّ الْأَمْرُ- وَيْحَكَ يَا إِنْسَانُ- جَدّاً جَدّاً، وَ قُرِّبُوا لِلْحِسَابِ فَرْداً فَرْداً، وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، يَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا حَرْفاً حَرْفاً، فَجِيءَ بِهِمْ عُرَاةَ الْأَبْدَانِ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ، أَمَامَهُمُ الْحِسَابُ، وَ مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ، يَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا، وَ يَرَوْنَ سَعِيرَهَا، فَلَمْ يَجِدُوا نَاصِراً وَ لَا وَلِيّاً يُجِيرُهُمْ مِنَ الذُّلِّ، فَهُمْ يَعْدُونَ سِرَاعاً إِلَى مَوَاقِفِ الْحَشْرِ، يُسَاقُونَ سَوْقاً، فَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وَ الْعِبَادُ عَلَى الصِّرَاطِ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ، وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَتَكَلَّمُونَ، وَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، قَدْ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَ اسْتُنْطِقَتْ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.