الأمالي - ط دار الثقافة - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٦٤
بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حُزْنَانِ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِيهِ.
قَالَ هِنْدٌ: ثُمَّ انْطَلَقَ ذَوُو الطَّوْلِ وَ الشَّرَفِ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ، لِيَأْتَمِرُوا فِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَسَرُّوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَبْنِي لَهُ عَلَماً، وَ يَنْزِلُ بُرْجاً نَسْتَوْدِعُهُ فِيهِ، فَلَا يَخْلُصُ مِنَ الصَّبَاةِ[١] إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَ لَا يَزَالُ فِي رَنَقٍ[٢] مِنَ الْعَيْشِ حَتَّى يَتَضَيَّفُهُ[٣] رَيْبُ الْمَنُونِ، وَ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَشُورَةِ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ وَ أُمَيَّةُ وَ أُبَيُّ ابْنَا خَلَفٍ.
وَ قَالَ قَائِلٌ: بِئْسَ الرَّأْيُ مَا رَأَيْتُمْ، وَ لَئِنْ صَنَعْتُمْ ذَلِكَ لَيَتَنَمَّرَنَ[٤] لَهُ الْحَدَبُ[٥] الْحَمِيمُ وَ الْمَوْلَى الْحَلِيفُ، ثُمَّ لَيَأْتِيَنَّ الْمَوَاسِمُ وَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ بِالْأَمْنِ فَلَيَنْتَزِعُنَّ مِنْ أُنْشُوطَتِكُمْ[٦] قُولُوا قَوْلَكُمْ.
قَالَ عُتْبَةُ وَ شَيْبَةُ وَ شَرِكَهُمَا أَبُو سُفْيَانَ، قَالُوا: فَإِنَّا نَرَى أَنْ نَرْحَلَ بَعِيراً صَعْباً، وَ نُوثِقَ مُحَمَّداً عَلَيْهِ كِتَافاً وَ شَدّاً، ثُمَّ نُقْصِعَ الْبَعِيرَ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَيُوشِكُ أَنْ يَقْطَعَهُ بَيْنَ الدَّكَادِكِ[٧] إِرْباً إِرْباً.
فَقَالَ صَاحِبُ رَأْيِهِمْ: إِنَّكُمْ لَمْ تَصْنَعُوا بِقَوْلِكُمْ هَذَا شَيْئاً، أَ رَأَيْتُمْ إِنْ خَلَصَ بِهِ الْبَعِيرُ سَالِماً إِلَى بَعْضِ الْأَفَارِيقِ، فَأَخَذَ بِقُلُوبِهِمْ بِسِحْرِهِ وَ بَيَانِهِ وَ طُلَاوَةِ[٨] لِسَانِهِ، فَصَبَا الْقَوْمُ إِلَيْهِ، وَ اسْتَجَابَتِ القَبَائِلُ لَهُ قَبِيلَةٌ فَقَبِيلَةٌ، فَلَيُسَيِّرَنَّ حِينَئِذٍ إِلَيْكُمْ بِالْكَتَائِبِ وَ الْمَقَانِبِ[٩]، فَلَتَهْلِكُنَّ كَمَا هَلَكَتْ إِيَادُ وَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ! قُولُوا قَوْلَكُمْ.
[١] الصباة: جمع صابي، الذي خرج من دين إلى دين غيره.
[٢] الرنق: الكدورة.
[٣] أي ينزل به.
[٤] تنمّر: تشبّه بالنمر، و تنمّر له: تنكّر و تغيّر.
[٥] الحدب: الشفيق، العطوف.
[٦] الانشوطة: عقدة يسهل انحلالها.
[٧] الدكادك: الأرض التي فيها غلظ.
[٨] الطلاوة: الحسن و البهجة.
[٩] المقانب: جمع مقنب، و هو جماعة الخيل و الفرسان.