أصول الفقه - الحلي، الشيخ حسين - الصفحة ١٥١ - وقفة مع صاحب الفصول في دعاواه في المقام
قلت : قد تقدّم في بعض المباحث السابقة [١] أنّ حكم العقل بقبح التجرّي لا يكون علّة لاستحقاق العقاب ، وأنّ من قطع بحرمة شيء فارتكبه وانكشف خطأ قطعه لا إشكال في حكم العقل بقبح ارتكابه ، إمّا لجهة الفعل أو للجهة الفاعلية ، لكن حكم العقل بقبح ذلك لا يكون علّة لاستحقاق العقاب. وأمّا الإشكال باناطة العقاب بأمر غير مقدور ، فقد تقدّم الجواب عنه [٢] بما هو مأخوذ من كلام الشيخ قدسسره وحاصله : أنّ ارتفاع العقاب لأمر غير داخل تحت الاختيار لا ضير فيه ، وحينئذ فليس مرجع ذلك الجواب إلى ارتفاع جهة القبح بأمر غير اختياري ، كي يكون ذلك نقضاً على ما أفاده قدسسره من أنّ الجهة الواقعية لمّا لم تكن معلومة لم تكن مؤثّرة في ارتفاع القبح ، فلا حاجة حينئذ إلى ما أفاده قدسسره من الجواب عن النقض المذكور بالتفرقة بين المقامين.
وقد سبقه الشيخ قدسسره إلى التفرقة المذكورة ، فإنّ قول الشيخ قدسسره : ودعوى أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي وإن لم يتّصف في حدّ نفسه بحسن ولا قبح ، لكونه مجهول العنوان ـ إلى قوله ـ مدفوعة مضافاً إلى الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدّم من الدليل العقلي كما لا يخفى الخ [٣] راجع إلى هذا الذي شرحه شيخنا قدسسره.
وكلّ ذلك ناشئ عن دعوى كون حكم العقل بالقبح علّة لاستحقاق العقاب ، فأرادوا أن يمنعوا حكم العقل بقبح التجرّي فراراً من الالتزام باستحقاق العقاب ، وجعلوا ذلك الدليل العقلي مسوقاً لاثبات القبح الموجب لاستحقاق العقاب. وأجابوا عنه بامكان ارتفاع القبح بأمر غير اختياري ، وهو عدم مصادفة
[١] راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة : ١٣٤ وما بعدها. [٢] راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة : ١٤٢ وما بعدها. [٣] فرائد الأُصول ١ : ٤٤.