أصول الفقه - الحلي، الشيخ حسين - الصفحة ٣٢٩ - تحقيق مفصّل حول حقيقة المجعول في الأُصول غير الاحرازية وكيفية الجمع بينها وبين الأحكام الواقعية
الذي عرفت أنّه لا أثر له سوى كونه حجّة من جانب الشارع على المكلّف في عقابه على مخالفة ذلك الواقع ، الترخيص الشرعي فإنّ مرجعه إلى عدم لزوم التحرّز عن مخالفة الواقع ، فينحصر أثره في عدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع لو اتّفق الوقوع في مخالفته ، فيكون سمة ذلك الأمر وهذا الترخيص سمة الطريق إلى الواقع ، وإن لم يكن ذلك من مقولة الطريق إليه.
وبالجملة : هما مجعولان شرعاً ، وأثرهما هو استحقاق العقاب على الواقع في الأوّل وعدم استحقاقه في الثاني ، لا أنّ المجعول هو نفس الاستحقاق في الأوّل وعدمه في الثاني ، ولابدّ أن يكون كلّ منهما ناشئاً عن المصلحة ، غايته أنّ المصلحة اقتضت في الأوّل جعل لزوم التحرّز وفي الثاني جعل عدم لزوم التحرّز ، وربما لا يكون في البين مصلحة تقتضي الأوّل ولا تقتضي الثاني ، بل تكون المصلحة قاضية بإيكال المكلّف إلى ما يحكم به عقله من لزوم التحرّز في بعض الموارد وعدمه في بعضها استناداً إلى قبح العقاب من دون بيان.
وبالجملة : أنّ الحكم المجعول الشرعي في الأوّل هو وجوب التحرّز عن الوقوع في خلاف الواقع ، وفي الثاني هو الحكم الشرعي بعدم وجوب التحرّز عن مخالفة الواقع. أمّا الثالث فهو من باب عدم الجعل الشرعي ، وإيكال الشارع المكلّف إلى ما يحكم به العقل.
ولا يخفى أنّ وجوب التحرّز وعدم وجوب التحرّز لا ينافيان الواقع ، بل يكون الواقع في حدّ نفسه محفوظاً في كلّ منهما ، ولا أثر لذلك إلاّمجرّد استحقاق العقاب عند المصادفة في الأوّل وعدمه في الثاني. وحينئذ لا يكون الحكم في الثاني هو الترخيص والاباحة كي يكون منافياً للواقع لو خالفه ، كما أنّه لا يوجب رفع اليد عن الواقع من حيث أثره الوضعي كالجزئية والشرطية والمانعية