إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - الحاج العاملي، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٤٣ - الفصل الخامس عشر في حالات العام والخاص وفيه البحث عن النسخ والتخصيص والبداء
لا شكّ عندي في أنّ هذه الرواية مكذوبة ، وأنّ مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهمالسلام ، لأنّهم معصومون في التبليغ ، والآيات الكريمة ناطقة بذلك ، كقوله تعالى : ( إِنّ علينا جَمعهُ وَقرآنَه ) [١] ، وقوله : ( إِنّا نَحْنُ نَزّلنا الذِّكرَ وإِنّا لَهُ لَحافِظُون ) [٢]. [٣]
أقول : إنّ هذه الآية مدنية ، وقد أخبر سبحانه في سورة مكية بأنّ النبي لا ينسى ، وقال : ( سنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلاّ ما شاءَ اللّهُ إنّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفى ). [٤]
وقوله : ( إِلاّ ما شاء اللّه ) لا يدلّ على وقوع المشيئة ، بل هذا الاستثناء نظير الاستثناء عن خلود أهل الجنة والنار فيهما ، قال سبحانه : ( وَأَمّا الّذينَ سُعِدُوا ففِي الجنّةِ خالدينَ فيها مادامتِ السَّمواتُ والأَرضُ إِلاّ ما شاءَ ربُّك عَطاءً غَيْر مَجْذُوذ ). [٥]
والغاية من ورود الاستثناء في هذه الآية ونظائرها هو بيان انّ الحكم بخلودهما فيهما لا يعني خروج الأمر من يده سبحانه ، بل الأمر بعدُ بيده ، وهو قادر على إنجاز خلاف ما وعد أو أوعد.
وعلى ضوء ذلك نقول : إنّ لفظ « ننسها » وإن كان بمعنى الإذهاب عن الذهن ، لكنّه كناية عن ترك الآية وعدم نسخها ، إذ كثيراً ما يطلق النسيان ويراد به الترك لا الذهول ، أي تركها على ما هي عليه بلا تغيير وتبديل حيث يصحّ أن تقول : نسيت الشيء وأنت تريد تركه على حاله ، أو تقول : نسيت الفعل الفلاني أي تركته ، فتدلّ الآية على أنّ نسخها وعدم نسخها كلاهما يتبعان المصلحة ، فلو
[١] القيامة : ١٧.
[٢] الحجر : ٩.
[٣] تفسير المنار : ١ / ٤١٥.
[٤] الأعلى : ٦ ـ ٧.
[٥] هود : ١٠٨.