المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ١٣٤
٣٧١.وقال فيما روي أبو هريرة رضى الله عنه قال صلى الله عمد إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه ، فكان ذلك ذهاب عينه ، وقد امتُحن غير واحد من الأنبياء ـ صلوات اللّه عليهم ـ بدخول الملائكة في صورة البشر ، كدخول الملكين على داود عليه السلامفي صورة الخصمين ؛ لمّا أراد اللّه عز و جل من تعريفه إيّاه بذنبه وتنبيهه على من لم يرضه من فعله ، وكدخولهم على إبراهيم عليه السلام حين أراد هلاك قوم لوط فقال : « قَومٌ مُّنكَرُونَ » وقال : « فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً » ، وكان نبيّنا محمّد صلى الله عليه و سلم أوّل ما بُدي?بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره . وكما جاءه جبرئيل عليه السلام في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يثبته ، فلمّا انصرف عنه تبيّن أمره فقال : « هذا جبرئيل جاءكم يعلّمكم أمر دينكم » . وكذلك كان أمر موسى عليه السلام ، فلمّا جرى من مناوشته ملك الموت وهو يراه بشراً ، فلمّا عاد الملك إلى ربّه عز و جلمستثنياً أمره فيما جرى عليه ردّ اللّه عليه عينه ، وأعاده رسولاً إليه بالقول المذكور في الخبر الّذي رويناه ؛ ليعلم نبيّ اللّه عليه السلام إذا رأى صحّة عينه المفقودة وعود بصره الذاهب أنّه رسول اللّه بعثه اللّه لقبض روحه ، فاستسلم حينئذٍ لأمره وطاب نفساً بقضائه ، وكلّ ذلك رفق من اللّه عز و جل به ولطف منه ، في تسهيل ما لم يكن بدّ من لقائه والانقياد لمورد قضائه . قد رسم أبو سليمان رضى الله عنه معنى هذا الحديث ما لم يدخل فيه خلل النقص ولا زيادة التكليف ، وما قال فيتنوّر به الفهوم ويتوقّد به أنجم العقول من تصريح برهانه ولطافة بيانه . وما ذكرت في هذا الحديث في أثناء الكتاب فهو عبارة العارفين ، [١] بعد ما شمل فيه بيان شواهد المعقولات ، وإنّ موسى عليه السلام كان قد توفّى في عيشه مع اللّه بلا وسيلة الغيرية ، فلمّا حان وقت أجله رأى الغير في البين ، فجاش سرّ محبّته ، وانقلب حقيقة صولة انبساطه ، فهيّجه اُنس الحبيب وغيرة محبّته المنفردة إلى ما صنع بعزرائيل ، وكان
[١] سنن النسائي ، ج٤ ، ص١١٩ ؛ مسند أحمد ، ج٢ ، ص٢٦٩ ، و٣١٥ و٣٥١ ؛ صحيح البخاري ، ج٢ ، ? ص٩٣ ؛ صحيح مسلم ، ج٧ ، ص١٠٠ ؛ الإيضاح ، ص٣٠ ؛ بحار الأنوار ، ج٧٥ ، ص٦٩ . قد مرّ صدر الحديث في الرقم ٧٥ .[٢] قد مرّ الحديث في الرقم ٧٥ من القسم الأوّل .[٣] في النسخة الأصل بقدر كلمة بياض .[٤] في النسخة الأصل بقدر كلمة بياض .[٥] وكتب في آخر نسخة الأصل : « تمّ نسخ هذا الكتاب بتوفيق اللّه وعونه ، في تاسع عشر ربيع الثاني سنة خمس وتسعين وثمانمئة هجرية بمحروسة شيراز حرست عن الاعواز ، وغفر لكاتبه ولمن نظر فيه » . وكتب في حاشية النسخة : «بلغت المقابلة بقدر الطاقة والإمكان مع نسخةٍ صحيحةٍ ، وللّه الحمد والمنّة، وعليه التكلان » . وكتب في الورق الآخر من النسخة بخطّ النسخة ـ وأظنّ أنّه من كلام المصنّف أيضاً ـ هذه العبارة : «قيل : أوّل التصوّف علم ، وأوسطه عمل ، وآخره موهبة ؛ فالعلم يكشف ... ، والعمل يعين على القلب ، والموهبة تبلغ غاية أهله . وأهله ثلاث طبقات : مريد طالب ، ومتوسّط سائر ، ومنتهٍ واصل ؛ فالمريد صاحب وقتٍ ، والمتوسّط صاحب حال، والمنتهي صاحب نفس ، وأفضل الأشياء عندهم عدّ الأنفاس . فالمريد متعوب في طلب المراد ، والمتوسّط مطالب بآداب المنازل ، وهو صاحب تلوين ؛ لأنّه يرتقي من حال إلى حال وهو في الزيادة ، والمنتهي ـ وهو الواصل ـ محمول قد جاوز المقامات وهو في محلّ التمكين ، لا يغيّره الأحوال ، ولا يؤثّر فيه الأهوال ، كما قيل عن زليخا ، لمّا كانت صاحبة تمكين في شأن يوسف عليه السلام لم يؤثّر فيها رؤية يوسف كما أثّرت في اللواتي قطّعن أيديهنّ وإن كانت أتمّ منهنّ ، فمقام المريد المجاهدات والمكابدات وتجرّع المرارات ومجانبة الحظوظ ، وما للنفس فيه متعة . ومقام المتوسّط ركوب الأهوال في طلب المراد ، ومراعاة الصدق في الأحوال ، واستعمال الأدب في المقامات . ومقام المنتهي الصحو والتمكين وإجابة الحقّ ، من حيث قد استوى حال الشدّة والرخاء ، والمنع والعطاء ، والجفاء و الوفاء ؛ أكله كجوعه ، ونومه كسهره ، قد فنيت حظوظه ، وبقيت حقوقه ، ظاهره مع الخلق ، وباطنه مع الحقّ ، وكلّ ذلك منقول من أحوال النبيّ صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضي اللّه عنهم أجمعين . أوّله صلى الله عليه و سلم كان يتخلّى في غار حرا ، ثمّ صار مع الخلق بلا فرق عنده بين الخلوة والجلوة ، وكذلك أصحاب الصفّة صاروا في حالة التمكين اُمراء ووزراء ؛ فإنّ المخالطة لا يؤثّر فيهم . اللّهمّ ارزقنا الاقتفاء بهداهم ، بمنّك ورحمتك يا غياث المستغيثين» .