المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ١٠٣
٣٣٩.وقال فيما حكى صلى الله عليه و سلم عن اللّه تعالى لا بمعنى المشتغلين . فاحتمل قوله صلى الله عليه و سلم أنّ أوائل الذكر بالشغل ، وأواخر الذكر مشتغل بغلبةٍ وقهرٍ عند انكشاف حقائقِ إفراده بالذكر ، فوجد العبد ذكره صفة للحقّ ، فأوقفه رؤية نظره ، وأخرجه عمّا له من ذكره في سؤاله إلى رؤية ذكره لعبده بانفراده . واحتمل قوله : « مَن شغله ذكري » يعني ما انفرد الحقّ من الذكر لنفسه فيما أثنى على نفسه بنفسه لنفسه ، فاحتاج العبد عن الرجوع إلى ذكر ما لنفسه وعمّا يعود عليه في سؤاله . واحتمل قوله : « من شغله ذكري » يعني الثناء عليه والنشر لاِلائه ، والإبداء عن إحسانه الّذي هو موصوف به ومستحقّه ، فيكون في ثنائه معترضاً لنواله فيكفي لتعريض إظهار الثناء عن الإفصاح بأيدي السؤال ، وقد قال القائل : { أأذكر حاجتي أمْ قد كفانيحياؤك ، أسّ شيمتك الحياء } { إذا أثنى عليك المرءُ يوماًكفاه مِن تعرّضه الثناء } قال سفيان : فهذا بالمخلوق فكيف باللّه عز و جل . أراد رضى الله عنه فيما شرح هذا الحديث أنّ للذاكر بداية ونهاية . بدايته أن يشتغل بالذكر وهو درجة الإرادة ، إذا اقتبس بعين المراقبة في جولان الفكر أنوار الذكر من مشكاة الغيب ، ونهايته أن يكون مغلوباً بسطوة أنوار الذكر ، والذكر هيّمه بلذّته وواقَعَه إلى مشاهدة المذكور ، ففي درجة الإرادة مشغولاً بتحصيل الذكر واستيفائه عن السؤال من دون الذكر ، وفي درجة النهاية مشغولاً بالمذكور فارغاً عمّا دونه ؛ إذ واجد الأصل لا يبالي بالفرع ، فيعطي اللّه إليه زيادة شغله به حتّى يفنى بالحقِّ في الحقّ ، ويبقى له به ، وهذا أفضل العطاء .