المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ٧٥
فيشغله ذلك من مشاهدة الحقّ وملاحظته ، فيستغفر منها . وقيل : إنّ تلك الإغانة ما يرى من زوائد المبارّ والإنعام عليه من ربّه ، فربما شغله النعمة والبرّ عن المنعم والبارّ لحظةً ، فيستغفر من تلك اللحظة ؛ فإنّ الجنيد رحمه الله قال : إيّاكم والاستناد إلى النعم ؛ فإنّها تقطع عن المنعم . وقيل : إنّ اللّه تعالى رزق الخلق بالأسباب ، فمن شهدها قطعه من المسبّب ، وربما شاهد النبيّ صلى الله عليه و سلمشيئاً من الأسباب فيجد في قلبه منها إغانةً ، فيستغفر منها في الوقت . وقرأ قارئٌ بين يدي الحصري : « وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّه َ » [١] فقال : لمّا قال النبيّ صلى الله عليه و سلمفوّضت أمري ، عوتب في ذلك فقيل : لك معنا أمرٌ ؟ ! [٢] فاستغفر ، فقال : أعوذ بك منك [٣] ، وتلك الإغانة . وقيل : [ لمّا نزلت ] « اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه ِ جَمِيعاً » اعتصم النبيّ صلى الله عليه و سلم بالقرآن ، فلمّا نزلت : « وَاعْتَصِمُوا بِاللّه ِ » استغفر من الاعتصام بحبل اللّه ،وهي الإغانة . وقيل : لمّا رأى النبيّ صلى الله عليه و سلم من شدّة قوّة أصحابه وقتالهم بين يديه أنزل اللّه : « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللّه َ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّه َ رَمَى » [٤] أشهده الفعل وبرّأه منه بالنيابة عنه ، فاستغفر من ذلك وهي الإغانة . وقال الجنيد رحمه الله : الإغانة مثل الغيم الرقيق لا بقاء له ، وكان النبيّ صلى الله عليه و سلم /٨٠/ لدوام اتّصاله وصفاء أحواله ربما يحسّ بشي منه لحظة أو أسرع من لحظة ، فيستغفر منها . وقيل : الإغانة لا يؤثّر إلاّ في أصفى قلب ، وهي قلب أصفاه له ربّه وأزال عنه الهواجس والظنون ، وذلك قلب النبيّ صلى الله عليه و سلم ؛ فإنّه أصفى القلوب . وقال بعضهم : كان قلب النبيّ صلى الله عليه و سلم مروّحا بالإيمان والمعرفة ، فإذا وجد في قلبه
[١] سورة غافر ، الآية ٤٤ .[٢] إشارة إلى سورة آل عمران ، الآية ١٢٨ ، الّتي خاطب اللّه بها نبيّه وقال : « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » .[٣] قد مرّ في القسم الأوّل في الرقم ١٤٣ .[٤] سورة الأنفال ، الآية ١٧ .