المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ٦٧
٢٧٠.وقال صلى الله عليه و سلم : فإذا كان مكاشفاً بكشف الصفات متلذّذاً بحلاوة وصلها ، ظنّ أنّه وصل الكلّ بالكلّ ، وسكن به منه ، فإذا كشف عين الذات له يتحيّر فيه ويفنى في بقائه ويعجز عن إدراكه ، فيخجل عن مظنون الأوّل وأغانه الامتحان عن الذات بالصفات ، فيعترف بأنّه لم يدرك ذرّةً من حقيقة علمه الّذي استأثر لنفسه خاصّة ، ويستغفر من ذنبه ؛ إذ سكونه به عنه ذنب ، ومن هاهنا قال [ حين ] ينفتح الأعلى في المشاهدة الكبرى : لا اُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك . [١] قال اللّه تعالى له : قد غفرت لك ذنب الأوّل وذنب الآخر ، كما أخبر عن نفسه : « لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه ُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ » [٢] لمحلّ استغفاره عنده ؛ ذنب الأوّل قبل المعراج ، وذنب الآخر في المعراج ؛ قبل معراجه . عرف من نفسه مباشرة نور التجلّي فظنّ أنّه قد وصل ، فإذا وصل /٧٥/ استغفر من الخاطر الأوّل كما استغفر موسى عليه السلام عن قوله : « أَرِنِي » إذا عاين الحقّ ؛ لأنّه قد علم في الرؤية أنّه كان محجوباً عنده من علم عرفانه ، وعرف أنّه لا يعرفه إلاّ هو ، فقال : « تُبْتُ إِلَيْكَ » [٣] ، من وهمي وخاطري فيك . وبعد المعراج ذنبه إبقاؤه في سطوات العظمة بنعت الثناء وإضافته إلى الحقّ ؛ فإنَّ كونه الحدث عند القدم فيلحقيقة ذنبٌ، وإنَّ حقّ القدم على الحدوث واجب باستيفاء
[١] أوصاف الأشراف ، ص٣ و٦٢ ؛ اختيار مصباح السالكين ، ص٥٦ ؛ مفاتيح الغيب ، ص٥٠ ؛ صحيح مسلم ، ج٢ ، ص٥١ ؛ السنن الكبرى ، ج١ ، ص١٢٧ . وورد في نفحات الاُنس ، ص١٣٠ : « لا أبلغ مدحتك ، ولا اُحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » وورد أيضاً في إحياء علوم الدين ، ج٢ ، ص٢٩٠ ؛ مجمع البحرين مادّة « حصى » . وقد مرّ شرح الحديث من المصنف في الرقم ٢٢ .[٢] سورة الفتح ، الآية ٢ .[٣] إشارة إلى الآية ١٤٣ من سورة الأعراف ، وتمام الآية : « وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » .