المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ٥٩
٢٥٣.وقال صلى الله عليه و سلم : مَن يُحبّ اللّه تعالى وسيلة إلى محبّته ، والإيمان لا يؤثر في صمم الفؤاد حتّى وقع عليه نور المحبّة ، ويورث نور المحبة حلاوة الإيمان إلى الجنان ، والإيمان لا يوجد حلاوته في قلب المؤمن حتّى يتطرّق مِن مقامه إلى مقام المحبّة . وذلك ما أشار عليه الصلاة والسلام ، قال : ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان ، من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما . الحديث . [١] ولم يعلّق بهذه المحبّة شيئاً مِن العمل . فإنّ حقيقة المحبّة الخالصة هي الّتي تجرّدت بأصل الاصطفائية الأزلية عن الطاعة والمعصية ، ألا يرى قوله صلى الله عليه و سلم في زجر مَن سبَّ المجلود أربع مرّات بشرب الخمر : دَعْهُ فإنّه يحبّ اللّه ورسوله . أفهمه أنّ صفو المحبّة هي الّتي لا يتغيّر بالبرّ والجفا ؛ فإنّهما عارضان يتعرّضان إلى ذوي الهيئات مِن المحبّة عند عثراتهم ، فيفنى العارض ويبقى الأصل كما كان ، وهذه محبّة الأرواح الّتي وجدتها في زمان تعريف اللّه إيّاها نفسه تعالى قبل كون الصور وعلل الطاعة والمعصية حين قال تعالى : « أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » [٢] ، لكن محبّة القلوب بعد ثبوت الأرواح في الأشباح يتعلّق بموافقة المحبوب ، كما قال تعالى : « قل إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّه َ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه ُ » [٣] الأوّل منفرداً عن الوسائط والثاني متعلّقاً بالوسيلة ؛ لأنّ الأوّل وقع من تجلّي الذات والصفات ، والثاني وقع من الآلآء والأفعال .
٢٥٤.وقال صلى الله عليه و سلم : لابن مسعود : اقرأ علَيّ ! قال : أقرؤهُ عليك ، وعليك اُنزل ؟ قال : اُحبّ أن أسمعه من غيري . [٤] فقرأه عليه حتّى هيّجه ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى الوجد والبكاء . فيه بيان أنّ كلام الأزلي منزّه عن الأهلية والفراسة بواحد من أهل الحدثان وإن كان نبيّاً مرسلاً ؛ لأنّ القديم لم يمازج بالحدث من جميع الوجوه ، وأنّ عجائبه وغرائبه
[١] مسند أحمد ، ج٣ ، ص٢٨٨ ؛ صحيح البخاري ، ج١ ، ص١١ ؛ صحيح مسلم ، ج١ ، ص٤٨ .[٢] سورة الأعراف ، الآية ١٧٢ .[٣] سورة آل عمران ، الآية ٣١ .[٤] مسند أحمد ، ج١ ، ص٣٧٤ ؛ كنز العمال ، ج١٣ ، ص٤٦٥ .