المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ٥١
٢٣٨.ومثل هذا قال عليه الصلاة والسلام : لما أراد اللّه تعالى أن يخلق الحنطة تجلّى من نور ذاته للجنّة ، فنبت الحنطة مقدّسة تقدّس الذات ، مملوّة من شهوة العشق الروحانيّة ومن قوّة الملائكة الملكوتيّة ، مكسورة بنور حياة الحقّ ، ثمّ أبرز أنوار هذه الحقائق في الجنّة لآدم عليه السلام ، فغلب شهوتها على آدم ، فنهى اللّه تعالى أكلها عليه امتحاناً بقوله : « ولا تقربا » [١] ، ثمّ هيّج سرّه بسرّ القدر إلى أكلها إظهاراً لمقدوراتها الّتي قدّرها في مشيّته ، وذلك الاشتهاء من آدم من أهليته بالحنطة ؛ لأنّ اللّه تعالى كَسى آدمَ نور ذاته ، فرأى بذلك النور نور الحقّ في الحنطة ، فعشق نوره بنوره فصارا متّحدين ، ولم يطق أن يفارقها حتّى أكلها ، فاتّصل المعنى بالمعنى والصورة بالصورة ؛ لأنّ معناها من معنى آدم ، وصورتها من صورة آدم . وقيل : إنّها خلقت من بقيّة طينة آدم ، وطينة آدم من تراب الجنّة ، فعلمنا من ذلك أنّ شوق آدم إلى الحنطة من رؤية ذلك النور فيها . وقيل : لمّا اجتثّت الحوّاء حبّات الحنطة فكانت /٦٦/ خمسة حبّات ، فأعطت حبّتين لآدم وخانت في الواحدة ، فصارت الثلاثة في كفّها شعيراً . وفي هذا المعنى إشارة إلى أنّ اللّه تعالى خلق الحوّآء من آدم ، وصار حسنها من حسن آدم ، فحسن آدم من نور الذات وحسن حوّاء من نور الصفات ، فظهر نور الذات لآدم في كسوة الحنطة ، وظهر نور حوّاء في نور الشعير ، فاتّحد نور الذات بنور الذات ، واتّحد نورالصفات بنور الصفات ، ومن هاهنا صارت الحنطة والشعير قوّة حياة العباد ، كأنّ أرواحهم وأشباحهم يعيش بنور الذات ونور الصفات .
٢٣٩.وقال صلى الله عليه و سلم : البلاء والهوى والشهوة معجونة بطينة آدم . [٢] «البلاء» هو النفس الأمّارة ، و«الهوى» الشيطان ، و«الشهوة» امتحان القهر ، وما خلص أحد من هذه العلل ، وشدّته في الأولياء والأنبياء أكثر .
[١] تاريخ مدينة دمشق ، ج٥٢ ، ص٢٩٤ ، مع اختلاف .[٢] البقرة ، الآية ٣٥.[٣] ميزان الاعتدال ، ج١ ، ص٩٠ ؛ الدر المنثور ، ج١ ، ص٤٨ ، مع اختلافٍ .[٤] المحجة البيضاء ، ج٧ ، ص٥٢ ، مع اختلاف يسير .[٥] مستدرك الوسائل ، ج٢ ، ص٤٣٩ ؛ مصباح الشريعة ، ص١٨٣ ؛ بحارالأنوار ، ج٦٤ ، ص٢٣١ .[٦] سورة هود ، الآية ٧ .