المكنون في حقائق الكلم النبوية - روزبهان بقلی - الصفحة ١١٧
٣٥٤.وقال في قوله صلى الله عليه و سلم : معنى هذا الكلام الأمر بالاقتصاد في العبادة وترك الحمل منها على النفس ما يؤودها ويثقلها ؛ يقول : إنّ اللّه عز و جل لن يتعبّد خلقه بأن ينصبوا آناء الليل والنهار قد يعتروا ولا يسترعوا أبداً . إنّما أوجب اللّه عليهم وظائف الطاعات في وقت دون وقت ؛ تيسيراً منه ورحمةً ، فعليكم بالسداد ، ولا تَكلّفوا ما لا تطيقونه ، وأخلطوا طرف الليل بطرف النهار ، وارحموا أنفسكم فيما بينهما ؛ لئلا يقطع بكم . ما ذكر رضى الله عنه في هذا الحديث موافق لما أدّب المشايخُ سلاّك هذا الطريق في بدايتهم ، وما يأمرهم بالسداد في رياضتهم ومجاهدتهم ؛ لئلا يقطعوا بأثقال العبودية عن مشاهدة الربوبية .
٣٥٥.وقال في قوله صلى الله عليه و سلم : لا حسد إلاّ في اثنين ؛ رجل آتاه اللّه مالاً فسلّط على هلكته في الحقّ ، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويُعلّمها . [١] الحسد هاهنا معناه شدّة الحرص والرغبة ، كنى بالحسد عنهما لأنّهما سبب الحسد والداعي له ، ونفس الحسد محرَّم محظور . قال أبو العبّاس أحمد بن محمّد : الحسد أن تتمنّى مال أخيك وتحبّ فقره وهو محظور ، والمنافسة أن تتمنّى مثل ماله من غير أن يفتقر وهو مباح . قال اللّه تعالى : « وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللّه ُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ » . [٢] الآية ، ثمّ قال : « وَسْأَلُوا اللّه َ مِن فَضْلِهِ » . [٣] ومعنى الحديث التحريض والترغيب في تعلّم العلم والتصدّق بالمال . وقد قيل : إنّ هذا إنّما هو تخصيص لإباحة نوع من الحسد ، وليس هو بشيء . والوجه ما قال أبو سليمان رحمه الله ؛ لأنّ الحسد إنّما هو صفة نفس الأمّارة وغيظها للمرء المسلم ، الّذي ينشعب منه الشحناء والبغضاء والتحريش والمشاجرة .
[١] مسند أحمد ، ج١ ، ص٤٣٢ ؛ صحيح البخاري ، ج١ ، ص٢٦ ؛ كشف الريبة ، ص٥٧ ؛ الحقائق ، ص٨٢ ؛ المحجّة البيضاء ، ج١ ، ص٢٠٠ .[٢] سورة النساء ، الآية ٣٢ .[٣] سورة النساء ، الآية ٣٢ .