الشفاعة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩ - السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ
. والأحاديث الواردة بهذا الخصوص وبمواضع ومناسبات عديدة كثيرة جداً نذكر منها: عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منّا فأتى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: إنّي سائلك سؤالا قال: «وما هو ؟» قال: أسألك أن تجعلني ممَّن تشفع له يوم القيامة ، قال: «من أمرك هذا ؟» أو «من علّمك هذا ؟» أو «من دلّك على هذا ؟» قال: ما أمرني به أحد إلاّ نفسي ، قال: «فإنّك ممّن أشفع له يوم القيامة» . أورده الهيتمي في
مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني .
وقد أورد الهيتمي بهذا الموضوع كثيراً من الأحاديث[١] . هذا في حياتهـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
أمّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فهل يصح طلب الشفاعة منه لا سيما أمامَ قبره الشريف وعند السلام عليه ؟ بما أنّه ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الأموات يسمعون ويتكلّمون ويدعون في عالم البرزخ وبخاصة هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما يُسلَّم عليه تردّ إليه روحه الشريفة ، فلا موجب للتفرقة في طلب الشفاعة بين حياته قبل انتقاله وبين حياته; الحياة البرزخية بعد انتقاله . ومن ادّعى المنع فعليه بالدليل والله الموفق[٢] .
كل هذه النصوص تدلّ على أنّ طلب الشفاعة من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان أمراً جائزاً وشائعاً ، وذلك لأنّهم يرونه مثل طلب الدعاء منه ، ولا فرق بينها وبينه إلاّ في اللّفظ ، وقد عرفت صحّة إطلاق لفظ الشفاعة على الدعاء ، والاستشفاع على طلب الدعاء ، وممّا يدلّ على ذلك أنّ البخاري عقد بابين
[١] مجمع الزوائد ١٠: ٣٦٩ ; صحيح مسلم ١: ٢٨٩ .
[٢] البدعة في مفهومها الإسلامي: ص ١٠٥ ـ ١٠٦ .