الشفاعة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢ - على هامش السؤال
ليقف على أنّ الموت أمرٌ نسبي ، وليس بمطلق ، ولو صار بدن الإنسان جماداً ، ليس معناه بطلانه وانعدام شخصيته ، وليس الموت إلاّ انتقالا من دار إلى دار ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وإليك لفيفاً من الآيات: ١ ـ قال سبحانه: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )[١] . والآية صريحة في المقصود ، صراحةً لا تتصوّر فوقها صراحة ، حيث أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم وتبشيرهم لمن لم يلحقوا بهم ، وما يتفوهون به في حقّهم بقولهم: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . وعلى ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل الله تعالى فهل يكون هذا المطلب لغواً ؟! ٢ ـ إنّ
القرآن يعدّ النبي شهيداً على الأُمم جمعاء ، ويقول سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً )[٢] .
فالآية تصرّح بأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شاهد على الشهود الذين يشهدون على أُممهم فإذا كان النبيـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شاهداً على الأُمم جمعاء ، أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة ، وبدون الاطلاع على ما يجري فيهم من الأُمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟!
ولا يصح لك أن تفسّر شهادة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بشهادته على معاصريه فقط ، وذلك لأنّه سبحانه عدّ النبي شاهداً في عداد كونه مبشّراً ونذيراً ، وهل يتصوّر أحدٌ أن يختص الوصفان الأخيران بمن كان يعاصر النبي ؟!
[١] آل عمران : ١٦٩ ـ ١٧٠ .
[٢] النساء : ٤١ .