الشفاعة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩ - ب ـ الشفاعة القيادية
يلمسها البشر في حياته ؟ فللإجابة على هذا السؤال قال سبحانه: ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) مصرِّحاً بأنّ كل تأثير وتدبير في سبب من الأسباب إنّما هو بإذنه ومشيئته ، ولولا إذنه ومشيئته لما قام السبب بالسببية ، ولا العلة بالعلية ، وهذه القرائن توجب حمل هذه الجملة على ما يجري في عالم الكون والوجود من التأثير والعلية ، وتفسيرها بالشفاعة التكوينية ، وأنّ كل ظاهرة مؤثرة كالشمس والقمر والنار والماء لا تؤثر إلاّ بالاستمداد من قدرته سبحانه والاعتماد على إذنه ومشيئته حتى يتم بذلك التوحيد في الخالقية والتدبير .
ب ـ الشفاعة القيادية
وهو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعمالهم وآثار سيئاتهم . والفرق بين الشفاعة المصطلحة والشفاعة القيادية هو أنّ الشفاعة المصطَلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له ، والشفاعة القيادية توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق . والظاهر أنّ إطلاق الشفاعة على هذا القسم ليس إطلاقاً مجازياً ، بل إطلاق حقيقي . وقد شهد بذلك
القرآن والأخبار ، قال سبحانه: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[١] . والضمير المجرور في ( به ) يرجع إلى
القرآن[٢] .
ولا شك أنّ ظرف شفاعة هذه الأُمور إنّما هو الحياةُ الدنيويةُ ، فانّ
[١] الأنعام : ٥١ .
[٢] مجمع البيان ٢: ٣٠٤ .