الشفاعة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨ - أ ـ الشفاعة التكوينية
فبما أنّ عالم الكون عالم إمكاني لا يملك من لدن ذاته وجوداً ولا كمالا ، بل كلّ ما يملك من وجود وكمال فقد أُفيض إليه من جانبه سبحانه فهو بحكم الإمكان موجود مفتقر في عامة شؤونه وتأثيره وعلّيته .
ونظراً لتوقف تأثير كل ظاهرة كونيّة على إذنه سبحانه كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )[١] فانّ الآية بعدما تصف اللهَ سبحانه بأنّه خالق السماوات والأرض في ستة أيام وأنّه استوى بعد ذلك على العرش ، وأنّه يدبر أمر الخلق ، تُعلِن بأنّ كل ما في الكون من العلل الطبيعية والظواهر المادية يؤثر بعضه في البعض بإذنه سبحانه ، وأنّه ليست هناك علّة مستقلة في التأثير ، بل كل ما في الكون من العلل ، ذاته وتأثيره ، قائمان به سبحانه وبإذنه ، فالمراد من الشفيع في الآية هو الأسباب والعلل المادية وغيرها ، الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحقّقها وإنّما سمِّيت العلة شفيعاً; لأنّ تأثيرها يتوقف على إذنه سبحانه ، فهي (مشفوعةً إلى إذنه سبحانه) تؤثر وتعطي ما تعطي .
وعلى ذلك تخرج الآية عن الدلالة على الشفاعة المصطلحة بين المفسّرين وعلماء الكلام ، وإنّما اخترنا هذا المعنى لوجود قرائن في نفس الآية ، فانّها تبحث في صدرها عن خلق السماوات والأرض وتحديد مدّة الخلق والإيجاد بستة أيام ، ثم ترجع الآية ، وتنص على سعة قدرته على جميع ما خلق وإحاطته بهم ، وأنّه بعدما خلق السماوات والأرض ، استوى على عرش القدرة وأخذ يدبّر العالم . وعند ذلك يتساءل القارئ: إذا كان الله جلّ وعلا هو المدبّر والمؤثّر فما حال سائر المدبّرات والمؤثّرات التي
[١] يونس : ٣ .