دور الشــيعــة في بناء الحضارة الاِسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١ - ١٣ ـ قدماء الشيعة والعلوم العقلية
٢ ـ ترتيب المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق العليا ، وهذا أيضاً هو الخطّ الذي رسمه القرآن الكريم ، وسار على هذا الخطّ الأئمّة_ عليهم السلام _ من أوّلهم إلى آخرهم . ترى ذلك في كلام الإمام علي_ عليه السلام _ بوضوح ، في أحاديثه وخطبه ورسائله ، ولا يسعنا هنا أن نستعرض ولو بعضاً ممّا له_ عليه السلام _ في هذا المجال ، إلاّ أنّا نكتفي بحديث واحد .
سأله سائل : هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغّر الدنيا أو يُكبّـر البيضة؟ فقال :«إنّ الله تبارك وتعالى لا يُنسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون»[١] .
إنّ خطب الإمام علي_ عليه السلام _ ورسائله وقصار حكمه كانت هي الحجر الأساس لكلام الشيعة وآرائهم في العقائد والمعارف ، ولم يتوقّف نشاط الشيعة في ذلك المجال ، بل ونتيجة لتوالي الأئمة_ عليهم السلام _ إمام بعد إمام ، كان يعني ذلك استمرار عين المنهج السابق الذي ربّى عليه الإمام عليّ_ عليه السلام _ شيعته ، فواصل الأئمّة من بعده ـ عليهم وعليه السلام ـ في حياتهم تربية شيعتهم ، فشحذوا عقولهم بالدعوة
إلى التدبّر والتفكّر في المعارف ، حتّى تربّى في مدرستهم عمالقة الفكر من عصر سيّد الساجدين إلى عصر الإمام العسكري ، تجد أسماءهم وتآليفهم وأفكارهم في المعاجم وكتب الرجال ، وقد نبغ في عصر أئمّة أهل البيت مفكّرون بارزون أدّوا لعموم المسلمين خدمات لا تنكر ، وأشرعوا أبواب المعرفة للباحثين والمفكّرين الذين تلوهم ، ومن هؤلاء :
متكلّمو الشيعة في القرن الثاني :
١ ـ زرارة بن أعين : مولى بني عبد الله بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن
[١] الصدوق ، التوحيد : ١٣٠ باب «القدرة» برقم ٩ .