دور الشــيعــة في بناء الحضارة الاِسلاميّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥
الحضارة بالمعنى الجامع الشامل للحضارة الاِلهية والماديّة، وأمّا بالنظر إلى الحضارة المرتكزة على الاَُسس الدينية فمن أهمّ أركانها توعية الاِنسان في ظلال الاعتقاد بالله سبحانه واليوم الآخر، حتى يكون هو الدافع إلى العمل والالتزام بالسلوك الاَخلاقي والديني، فالحضارة المنقطعة عن التوعية الدينية حضارة صناعية لا إنسانية، وتمدّن مادّي وليس بإلهي.
إنّ مؤسّس الحضارة الاِسلامية هو النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، وقد جاء بسنن وقوانين دفعت البشرية إلى مكارم الاَخلاق كما دفعتهم إلى متابعة العلوم والفنون، واستغلال الموارد الطبيعية، وتكوين مجتمع تسود فيه النظم الاجتماعية المستقيمة.
ولا يشكّ في ذلك من قرأ تاريخ الاِسلام، وتاريخ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، خصوصاً إذا قارن بين حياة البشرية بعد بزوغ شمس الاِسلام بما قبلها.
ثمّ إنّ المسلمين شيّدوا أركان الحضارة الاِسلامية في ظل الخطوط التي رسمها النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ من خلال القرآن والسنّة، فأصبحت لهم قوّة اقتصادية، ونظم سياسية، وتقاليد دينية وخلقية، وأعطوا العلوم المختلفة جلّ اهتمامهم، فبرز منهم العديد من العلماء المتفوّقين والبارعين في شتّى مناحي العلم، ورفدوا حركة تطوّر الحضارة البشرية بجهودهم المخلصة، والتي تعكسها مؤلّفاتهم القيّمة والتي لا زالت حتّى يومنا هذا مثار إعجاب الجميع، بل إنّهم عمدوا إلى ترجمة كتب العلم المختلفة لدى غيرهم من الاَُمم، مثل الفرس واليونانيين وغيرهم، فأغنوا المكتبة الاِسلامية بسيل وافر من المؤلّفات القيّمة والمهمة.
لقد شملت الحضارة الاِسلامية كلّ ميادين الحياة المختلفة، فلم تلق جلّ جهدها في جانب واحد من جوانب الرقيّ الحضاري دون غيره، بل شمل اهتمامها كلّ جوانب الحياة المختلفة، وتلك حقيقة لا يمكن لاَحد الاِغضاء عنها، فإذا كانت كلّ حضارة من الحضارات المعروفة قد تميّزت برقيّ في جانب واحد من الجوانب