الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٢ - ٢٣ دعوة الصالحين ومسألة التوحيد
فهل يحتمل أن يكون مقصود الشيطان هو أنّه عبد أتباعه؟ في حين أنّ العبادة ـ لو صحت وافترضت ـ فإنّما تكون من جانب أتباعه له لا من جانبه اتجاه أتباعه.
في هذه الآيات ونظائرها ـ و التي لم نذكرها روماً للاختصار ـ استعملت لفظة الدعاء والدعوة في غير معنى العبادة، ولهذا لا يمكن أن نعتبرهما مترادفتين،ولذلك فلو دعا إنسان ولياً أو نبياً أو رجلاً صالحاً، فإنّ عمله ذلك لا يكون عبادة له، وذلك لأنّ الدعاء أعمّ من العبادة.[١]
ثانياً: إنّ المقصود من الدعاء في مجموع الآيات المذكورة هو ليس مطلق النداء، بل نداء خاص يمكن أن يكون ـ مآلاً ـ مرادفاً للفظ العبادة، لأنّ مجموع هذه الآيات وردت حول الوثنيين الذين كانوا يتصوّرون بأنّ أصنامهم آلهة صغار قد فوّض إليها بعض مقام الشأن الإلهي، ويعتقدون في شأنها بنوع من الاستقلال في الفعل، ومعلوم أنّ الخضوع والتذلّل أو أي نوع من القول والعمل أمام شيء باعتقاد أنّه إله كبير أو إله صغير لكونه ربّاً أو مالكاً لبعض الشؤون الإلهية كالشفاعة والمغفرة،يكون عبادة ولا شكّ أنّ خضوع الوثنيين ودعاءهم واستغاثتهم أمام أوثانهم كانت تنبع من اعتقادهم أنّ هذه الأصنام آلهة أو أرباب أو مالكة لحق الشفاعة و...، وباعتقاد أنّها مستقلة في التصرف في أُمور الدنيا والآخرة، ومن البديهي أنّ أي دعوة لهذه الموجودات وغيرها مع هذه الشروط
[١] النسبة بين الدعاء والعبادة عموم وخصوص من وجه: ففي هذه الموارد يصدق الدعاء ولا تصدق العبادة، وأمّا في العبادة الفعلية المجردة عن الذكر كالركوع والسجود فتصدق العبادة، لأنّها تقترن مع الاعتقاد بإلوهية المسجود له ولا يصدق الدعاء لخلوّه عن الذكر اللفظي. ويصدق كلا المفهومين «الدعاء والعبادة» في أذكار الصلاة، لأنّها دعوة بالقول ناشئة عن الاعتقاد بإلوهية المدعو.