الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠١ - ٢٣ دعوة الصالحين ومسألة التوحيد
إلى اللّه في حاجتي أو استشفع بك إلى اللّه في حاجتي أو نحو ذلك أو قال: اقض ديني أو اشف مريضي أو نحو ذلك فقد دعا ذلك النبي و الصالح، والدعاء عبادة بل مخها، فيكون قد عبد غير اللّه و صار مشركاً، إذ لا يتم التوحيد إلاّبتوحيده تعالى في الإلوهية باعتقاد أن لا خالق ولا رازق غيره، وفي العبادة بعدم عبادة غيره ولو ببعض العبادات، وعبّاد الأصنام إنّما أشركوا لعدم توحيد اللّه في العبادة».[١]
ويرد على كلام الصنعاني هذا أنّه لا مرية أنّ لفظة الدعاء تعني في لغة العرب: النداء لطلب الحاجة، بينما تعني لفظة العبادة معنى آخر، وهو: «الخضوع النابع من الاعتقاد بالإلوهية والربوبية» ولا يمكن اعتبار المفهومين مترادفين ومشتركين في المعنى، أي لا يمكن القول إنّ كلّ نداء وطلب يساوق العبادة والخضوع، وذلك للأسباب التالية:
أوّلاً: إنّ القرآن استعمل لفظة الدعوة والدعاء في موارد لا يمكن أن يكون المراد فيها العبادة مطلقاً، مثل قوله تعالى:
(قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوتُ قَومي لَيْلاً وَنَهاراً).[٢]
فهل يمكن أن نقول: إنّ نوحاً ـ عليه السَّلام ـ قد عبد قومه ليلاً ونهاراً؟!
وكذلك قال تعالى حاكياً عن الشيطان قوله:
(...وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إِلاّ أَنْ دَعَوتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي...).[٣]
[١] تنزيه الاعتقاد للصنعاني كما في كشف الارتياب:٢٧٢ـ ٢٧٤، والآية ٦٠ من سورة غافر.
[٢] نوح:٥.
[٣] إبراهيم:٢٢.